الاحداث- كتبت زينب بزي في صحيفة الاخبار:"بعد أكثر من سبعة أشهر على صدور القرار الرقم 4/2026، بدأت الهيئة المنظمة للاتصالات تنفيذ عملية نقل المشتركين من شبكات الإنترنت غير المرخّصة إلى الشبكات المرخّصة. خطوة تأخرت سنوات، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هو: ماذا عن السنوات التي سبقت التنظيم بعدما أقرّ القرار نفسه بأن هذه الشبكات حرمت الخزينة إيرادات مالية؟
في 23 أيلول، أعلنت الهيئة بدء عملية تنظيم الاشتراكات في نطاق عشرة مراكز رئيسية لأوجيرو هي الأشرفية، الحمرا، بدارو، العدلية، ميناء الحصن، رأس بيروت، بعبدا، الحازمية، طرابلس الميناء وطرابلس البحصاص، ودعت المشتركين عبر الشبكات غير المرخصة إلى الانتقال من دون تأخير، بالتنسيق مع مزودي الإنترنت المرخصين والسلطات القضائية والأمنية. إلا أن أساس هذه العملية يعود إلى 5 شباط الماضي، حين أصدرت الهيئة القرار 4/2026، الذي أعطى مزوّدي خدمات الإنترنت مهلة أقصاها 30 يوماً لنقل المشتركين الموجودين على شبكات غير قانونية، ضمن نطاق المراكز العشرة المجهزة بشبكات الألياف الضوئية، إلى شبكة وزارة الاتصالات وأوجيرو أو إلى شبكات مقدمي خدمات نقل المعلومات المرخص لهم. كما ضمن للمشترك حرية اختيار مزود الخدمة، ومنع تحميله زيادة في الأسعار ناتجة حصراً من عملية الانتقال.
لكن القرار لا يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد عملية تقنية لنقل المشتركين. فهو يفرض تقديم تقارير أسبوعية تتضمن عدد المشتركين الذين تم نقلهم، وعدد الذين لا يزالون يتلقون الخدمة عبر شبكات غير مرخصة، إضافة إلى الرسوم والبدلات التي سُدّدت إلى الخزينة. كما يطلب أسماء وعناوين موزعي شبكات الإنترنت غير المرخص لهم، وعدد الشبكات المخالفة وأماكن وجودها، والمواقع الرئيسية لبناها التحتية.
أي إنّ الدولة باتت تطلب اليوم معرفة من يوزع الإنترنت بصورة غير قانونية، وأين تقع شبكاته، وكم عدد المشتركين المرتبطين بها، وما الذي دخل إلى الخزينة من رسوم. وإذا أصبحت هذه المعلومات متاحة، يصبح السؤال أصعب في تجاهله: ماذا عن الأموال التي لم تدخل إلى الخزينة طوال الفترة السابقة؟
قدر ديوان المحاسبة أن الأموال المهدورة بسبب الشبكات غير الشرعية تبلغ 128 مليون دولار سنوياً
ولا يدور الحديث هنا عن خسائر هامشية. فمذكرة صادرة عن الغرفة الخامسة في ديوان المحاسبة في تموز 2026 قدّرت صافي الهدر الناتج من عدم معالجة شبكات الإنترنت غير الشرعية بنحو 128.8 مليون دولار سنوياً، أي ما يقارب 400 مليون دولار منذ اكتمال الإطار القانوني لمعالجة هذه الشبكات أواخر عام 2023.
والأهم أن قرار الهيئة الناظمة نفسه لم يقفل باب المحاسبة. ففي مادته الرابعة، اعتبر نفسه بمثابة إنذار لمقدّمي خدمات الإنترنت ونقل المعلومات الذين أسهموا في تقديم الخدمة عبر شبكات منشأة خلافاً للقانون، مشيراً صراحة إلى ما ترتب على ذلك من خسارة إيرادات للخزينة. كما أكد أن إجراءات الهيئة لا تحول دون الملاحقة الجزائية أمام القضاء المختص، ونصّ على ضبط الشبكات المخالفة وإحالتها إلى القضاء. أي إنه ترك المحاسبة على عاتق جهات ثانية، وفضّل ألا يتحمّل هذه المسؤولية.
هنا تبدأ الثغرة. فرغم الإقرار بالخسارة وفتح باب الملاحقة، لا يضع القرار أي آلية واضحة لاحتساب ما خسرته الخزينة أو استرداده. فلا يحدد تاريخ بدء المحاسبة، ولا من يتحمل هذه الخسائر، ولا كيفية احتساب الأموال التي حُرمت منها الخزينة، ولا ما إذا كان الموزعون غير المرخصين أو الجهات التي أسهمت في استمرار هذه الشبكات سيُطالبون بتسديد مستحقات عن المرحلة السابقة. حتى اليوم لا أحد يعلم كيف ستستعاد هذه الأموال، ولا أحد يجيب، حتى الجهة المخولة بذلك.
أمام كل تلك الوقائع، يبقى السؤال: هل ستعمل الدولة هذه المرة أيضاً على قاعدة «المسامح كريم» وتحرم الخزينة من ملايين الدولارات؟