الاحداث - كتبت صحيفة "نداء الوطن": بين حدود شرقية تعمل الدولة اللبنانية على تحصينها لقطع الطريق على تهريب السلاح لميليشيا «حزب الله»، وحدود جنوبية يُراد لها أن تكون اختبارًا جديًا لقدرة الدولة على بسط سلطتها، يتقدم الدور البريطاني في لبنان خطوة إضافية. فمذكرة التفاهم بشأن البرنامج البريطاني لدعم الأمن في لبنان، التي تم توقيعها بين وزيري الداخلية والبلديات أحمد الحجار والدفاع الوطني ميشال منسى والسفير البريطاني في لبنان هامش كاول، في مقر وزارة الداخلية، لا تأتي في فراغ، ولا يمكن فصلها عن مسار أوسع باتت فيه لندن شريكًا متقدمًا في دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية وتعزيز قدرتها على ضبط الحدود ومواجهة مصادر عدم الاستقرار.
تقول مصادر دبلوماسية مطلعة لـ «نداء الوطن» إن أهمية هذا التعاون تكمن في مستويين أساسيين. الأول أمني داخلي، يرتبط بالدور البريطاني القائم منذ سنوات في مساعدة لبنان على ضبط حدوده الشرقية مع سوريا، عبر دعم مراكز المراقبة والرصد، والمساهمة في مواجهة التهريب، ولا سيما تهريب المخدرات والأسلحة والذخائر، بالتوازي مع انتشار أفواج من الجيش اللبناني على هذه الحدود. أي أن بريطانيا ليست وافدًا جديدًا إلى الملف الأمني اللبناني، بل راكمت خلال أكثر من عقد تجربة ميدانية في مساعدة الدولة اللبنانية على حماية حدودها وتعزيز قدراتها الأمنية.
أما المستوى الثاني، فهو الأهم في المرحلة الراهنة، لأنه يتصل مباشرة بمسار صيغة اتفاق الإطار الذي رعته الولايات المتحدة، وبالمناطق النموذجية أو التجريبية التي يفترض أن تشكل اختبارًا عمليًا لما يمكن أن تنجزه الدولة اللبنانية على الأرض، ولا سيما لجهة انتشار الجيش وتنفيذ الالتزامات الأمنية المرتبطة بنزع سلاح ميليشيا «حزب الله».
تضيف المصادر، في هذا السياق، يُطرح اسم بريطانيا بين الدول التي يمكن أن تضطلع بدور الفريق الثالث للتحقق من الإنجازات التي يحققها الجيش اللبناني في هذه المناطق، إلى جانب دول أخرى جرى تداول أسمائها ووافق عليها الطرفان اللبناني والإسرائيلي. وإذا ما استقر الاختيار على بريطانيا، فإن الدلالة تتجاوز مهمة تقنية محدودة: تصبح لندن موجودة في مسارين أمنيين لبنانيين بالغَي الحساسية، من الحدود اللبنانية - السورية شرقًا، حيث تساهم في تعزيز المراقبة ومنع التهريب، إلى الحدود الجنوبية، حيث يمكن أن تتحول إلى جهة تحقق في مدى نجاح الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها ضمن المنطقة النموذجية، ورفع نتائج هذا التحقق إلى الولايات المتحدة التي ترعى مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل. وقد علمت «نداء الوطن» في هذا السياق، أنه لم تُحسم هوية الدول التي ستشارك في لجنة التدقيق، مع أن الأسماء البارزة هي سويسرا وإيطاليا وبريطانيا وإندونيسيا، ويعود السبب إلى أن الدول التي ترغب بالمشاركة تريد معرفة مهام الجنود الذين سترسلهم ودورهم وطبيعة عملهم وعددهم وتحت أي مظلة سيعملون.
إذًا، ليس سرًا أن العقدة اللبنانية الممجوجة المتمثلة بسلاح ميليشيا «حزب الله»، والتي تعيق الانتقال إلى مرحلة الدولة السيدة الحرة والمستقلة، لا تزال تراوح مكانها على الرغم من الخطوات الجريئة والتاريخية التي اتخذها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. فالمفاوضات التي يُنتظر أن تستأنف جولتها الثامنة الشهر المقبل لا تزال تصطدم بالسؤال نفسه: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تنتقل من التعهدات إلى التنفيذ؟
اتجاه عربي ودولي لتعزيز الدور المسيحي
وفيما حضرت الأوضاع في الجنوب وزيارة رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L الجنرال جوزف كليرفيلد، في لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، علمت «نداء الوطن» أن كليرفيلد سيعود اليوم إلى لبنان حاملا أجوبة من إسرائيل وسيمكث نحو أسبوع في بيروت لمتابعة ووضع إطار للجنة التدقيق والملفات الأمنية المثارة، بينما قضية المناطق التجريبية الجديدة ليست من مهامه لأنها مرتبطة بمفاوضات روما التي لم يُعلَن موعد جديد حتى الساعة لاستئنافها.
توازيًا، نفى مصدر رسمي عبر «نداء الوطن» كل الكلام عن اقتراحات عربية أو عبر وسطاء والقاضية بذهاب قيادة الجيش للشيعة واستحداث منصب نائب رئيس الجمهورية مقابل تسليم السلاح، وجزم المصدر أن أحدًا من الدول العربية لم يفتح هذا الموضوع أو يقترحه، بل على العكس هناك اتجاه عربي ودولي من أجل تعزيز الدور المسيحي والحفاظ عليه وتحقيق الشراكة الكاملة والحقيقية، وهذا ما يظهر من خلال الاحتضان العربي والدولي لرئيس الجمهورية، في حين أن همّ الشيعة، وعلى رأسهم الرئيس نبيه بري، الحفاظ على وجود الطائفة الشيعية لا تحقيق مكتسبات، لأنه يعرف حجم الفاجعة التي حلّت بهم، بينما «حزب الله» مهزوم ولا يستطيع تحقيق أي مكتسب.
سلام: الحكومة واحدة وليست 24 حكومة
وبينما تتقدم الحكومة في ملفات الأمن والتعاون الدولي وتعزيز قدرات المؤسسات العسكرية والأمنية، فرض الخلاف المستجد بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى نفسه على المشهد الحكومي، بعدما انعكس غياب وزير الدفاع عن جلسة مجلس الوزراء العادية التي انعقدت في السراي الحكومي. غيابٌ جاء على خلفية ما أثير حول منعه من إلقاء كلمة أمام مجلس النواب خلال جلسة إقرار قانون العفو العام، في وقت تبدو فيه المشكلة بين الطرفين قيد المتابعة والمعالجة.
سلام، الذي تطرق خلال الجلسة إلى غياب وزير الدفاع، أكد أن غيابه لن يطول، واصفًا إياه بالصديق. ونفى رئيس الحكومة أن يكون قد طلب من وزير الدفاع عدم الدخول إلى قاعة مجلس النواب والمشاركة في الجلسة، معتبرًا أن ما تم تداوله في هذا الإطار غير صحيح.
وفي معرض توضيحه للمسألة، شدد سلام على أن أحكام الدستور واضحة لجهة أن رئيس مجلس الوزراء يمثل الحكومة ويتكلم باسمها، نافيًا في المقابل ما وصفه بالافتراء القائل بتغييب رأي الجيش في موضوع قانون العفو العام. ولم يكتفِ رئيس الحكومة بذلك، بل شدد على أن لا أحد يزايد على الحكومة في حرصها على الجيش ووفائها لشهدائه، قبل أن يحسم موقفه بالقول إن الحكومة واحدة وليست 24 حكومة، وإن جميع الوزراء ملتزمون بمبدأ التضامن الوزاري وبالدستور بحذافيره.
إشارة إلى أن مجلس الوزراء أقرّ الرسوم على المواد المنتجة للنفايات وسط اعتراض وزراء الصحة والعمل والاتصالات والصناعة.
منسى يعتذر
وقبيل الجلسة، صدر عن الوزير منسى بيان تقدم فيه باعتذار من أهالي الشهداء قائلا: «أعتذرُ لأن دماء أبنائكم أمانة في أعناقنا، ولأنني لم أستطعْ أن أحميَ حقَّهم كما يستحقون، ولم أستطعْ أن أرفعَ صوتَ الجيشِ حين كان يجبُ أن يُسمَع، فصمتَ الكلامُ في مجلسِ النواب، وبقيَ صوت الشهداء وحده يعلو في داخلي... وأعتذرُ لأنني، مهما كان موقعي، أشعرُ اليومَ أنني خذلتُكم... وأعتذر من الشهداء قبل أهاليهم، لأنني لم أستطعْ أن أجعل صوتَهم مسموعًا كما تستحق دماؤهم. لكنني أعدُهم: لن يكون الصمت قدرًا، ولن يكونَ خذلان الأمسِ خاتمة الحكاية».
زيارة شكر
وفي زيارة شكر على مواقفه الداعمة للمؤسسة العسكرية وتقديرًا لمواقفه تجاه شهداء الجيش وعائلاتهم، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل، على رأس وفد ضمّ أعضاء المجلس العسكري وكبار ضباط قيادة الجيش، وزير الدفاع. وتوجه العماد هيكل إلى اللواء منسّى بالقول: «لم ولن تخذل عائلات الشهداء أبدًا، رفعت لنا رأسنا ورفعت رأس الجيش». وتابع قائد الجيش موضحًا أن أهداف المؤسسة العسكرية وطنية، وأنها تقوم على حماية لبنان وصون أمنه واستقراره. وشدد على أنه «لا طائفة بين من يرتدي البزّة المرقّطة».من جهته، أكد منسّى أن «الجيش هو العصب الأساسي للدولة»، مشددًا على أن المؤسسة العسكرية ثابتة في موقفها.