الأحداث - كتب نبيل بومنصف في صحيفة النهار يقول : تشكل التجارب السابقة في مخاض انفجار عذاب اللبنانيين مع الانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية منذ 17 تشرين الأول 2019 باعتباره التاريخ المثبت لاكبر انتفاضة اجتماعية في تاريخ لبنان رادعا للتمادي المسبق في التوقعات المتسرعة، فالأيام الأخيرة منذ اشتعال موجة الاحتجاجات الجديدة بنار السقف الملتهب للدولار تنبئ ببدء ما كان مرتقبا منذ سبعة اشهر بعد انفجار مرفأ بيروت وليس البارحة،
ولكن تموجات السياسة واحابيلها بالإضافة الى "حلف" السياسة وكورونا قمعت اللبنانيين طوال هذه المدة، والسؤال الكبير الان وبعد اشتعال الشرارة المستعادة هل يقف لبنان فعلا امام تلك الفوضى المخيفة المتدحرجة ام نكون امام أحابيل جديدة قادرة على احتواء ثورة الغضب والفقر والعوز والمرض وكل ما دفع بلبنان الى ان يسابق فنزويلا كبلدين يتصدران قائمة البلدان المهددة بالانهيارات الساحقة؟
لا تكفي الموجة الاحتجاجية الطالعة لتوها بعد لتكوين رسم بياني حيال المرحلة القريبة بما يكفي لاطلاق الأحكام الجاهزة والمتسرعة على غرار ما تغرق به الشاشات وتنظيرات "الخبراء الاستراتيجيين" المزعومين الرأي العام الداخلي منذ أيام، ذلك ان الموجات الجديدة من الاحتجاجات تبدو الى حد بعيد كأنها جاءت متأخرة جدا في التوقيت والظروف والالتباسات التي كانت تثار في كل الاتجاهات وسط تصاعد عوامل التسبب بالغضب وشحن الناس بالقهر والمعاناة امام سلطة تنافس أسوأ الأنظمة في العالم، واذا كانت جائحة كورونا تفرض قوانينها القاتلة الان على معظم السياسات العالمية ووضعت لبنان منذ سنة في جحر التخبط الهائل في الاضطرابات الفائضة فان أحدا لا يمتلك مسبقا قدرة الجزم بما ستؤول اليه الموجة الجديدة من التطورات بما يبقي الباب مفتوحا ومشرعا على المجهول يوما بيوم ان لم يكن ساعة بساعة، نحن الان امام موجة تفاعلات وانفعالات حادة للغاية حيال سقف نفسي اخترقه عداد الدولار في "سوق سوداء" ليس بالمعنى المالي والنقدي فقط بل سوداء قاتمة ومفحمة جراء سقوط البلد تحت وطأة دولة فاشلة فاسدة لا تستشعر خطورة المآل الذي أوصلت اليه لبنان واللبنانيين من جهة ومنظومات مافيات متوحشة تتوغل في معظم قطاعات البلاد الحيوية وتسحق الناس من جهة أخرى،
ومن الخطورة بمكان الانزلاق الى حيث تريد أي جهة ان تضلل الناس بتوظيف انفجار الغضب والزج به في خانات الاستثمار السياسي والطائفي خصوصا ان الحقائق التي لا يمكن تجاهلها تكشف ان النبض الاحتجاجي أصابه التراجع ولو ان ذلك لا يقلل الأهمية الكبيرة لاي تحرك احتجاجي مهما كانت طبيعته او بلغ حجمه، لذا لا نراها حكمة زائدة ان ننجرف في تحميل أي جهة سياسية "تبعة" اشتعال الاحتجاجات وكأنه تطور سلبي جاء ردا على خطاب البطريرك الماروني لتحييد الأنظار عن مضامينه، هذا ضرب من ضروب اضعاف العصب الغاضب للناس ولو صح ان المتضررين من موقف بكركي اندسوا بين المحتجين هنا وهناك لاهداف لا تنسجم ووجع المنتفضين، يسري المنطق نفسه على متجاهلي المافيات المتوحشة التي تستغل الانهيارات والانسداد السياسي لتعمل سكاكينها في ظهور اللبنانيين في كل مجالات الاستئثار. اذا ابتلينا بأسوأ سلطة فلا يغني ذلك عن تجاهل شقيقها التوأم المتمثل بمافيات تأكل عافية اللبنانيين في يومياتهم، بالغضب "الصرف" لن تتوقف الانهيارات، ولن توقفها موجات تكتفي بالصراخ ولا ترعب أصحاب "الأسواق السوداء" أيا واينما كانوا.
======