Search Icon

اقتصاد ما بعد الأزمة: النموذج نفسه بكلفة أعلى

منذ ساعة

من الصحف

اقتصاد ما بعد الأزمة: النموذج نفسه بكلفة أعلى

الاحداث- كتب ماهر سلامة في صحيفة الاخبار يقول:"إذا كان يُفترض بالأزمة التي بدأت في عام 2019 أن تفرض على الاقتصاد اللبناني نوعاً من التصحيح، فإن الأرقام التي نشرتها وكالة «ستاندرد أند بورز» أخيراً تشير إلى العكس تماماً. ما حصل فعلياً هو أن الاقتصاد أصبح أصغر وأكثر فقراً، فيما بقيت الاختلالات التي كانت في أساس النموذج السابق قائمة.

الفرق أن لبنان كان قبل الأزمة يمتلك الأدوات التي تسمح له بتمويل هذه الاختلالات لفترة طويلة، أمّا اليوم فهو يعيش النسخة الأكثر رداءة من النموذج نفسه. وهي تأتي على شكل اقتصاد ينفق في الخارج أكثر مما يولّد من إيرادات خارجية، من دون قطاع مصرفي قادر على استقطاب التمويل كما في السابق، وفي ظل تعثّر مستمر عن سداد الدين بالعملة الأجنبية.

هذا بالتحديد ما تُظهِره أرقام «ستاندرد أند بورز» في تقريرها الصادر في 14 آب 2026، والذي أبقت فيه تصنيف لبنان بالعملة الأجنبية عند مستوى التعثّر الانتقائي «SD»، وتصنيفه الطويل الأجل بالليرة عند «CCC+» مع نظرة مستقرة. فالتحسّن الظاهر في بعض المؤشرات، وخصوصاً المالية العامة، لا يلغي حقيقة أن الاختلال الخارجي لا يزال كبيراً جداً.

في عام 2025، تقدّر الوكالة أن عجز الحساب الجاري بلغ ما يعادل 25.7% من الناتج المحلي. وهو مستوى ضخم حتى بالمقاييس اللبنانية. صحيح أن الوكالة تتوقع انخفاضه إلى 17.7% من الناتج في عام 2026، ثم إلى 16.3% في عام 2027، لكنه يعود إلى 16.9% في عام 2028 و16.3% في عام 2029. أي إن المسار المتوقّع لا يتضمن اختفاء العجز أو حتى اقترابه من مستويات يمكن اعتبارها هامشية، بل استقراره عند نحو 17% من الناتج في السنوات المقبلة.

والمشكلة تظهر بصورة أوضح عند قياس هذا العجز بحجم الأموال التي يولّدها الاقتصاد من الخارج. بحسب «ستاندرد أند بورز»، كان عجز الحساب الجاري في عام 2025 يعادل 43.2% من مجمل إيرادات الحساب الجاري، أي الإيرادات المتأتّية من صادرات السلع والخدمات والدخل والتحويلات وغيرها. وتنخفض النسبة إلى 39.2% في عام 2026، قبل أن تبقى قريبة من 40% حتى نهاية فترة توقعات الوكالة (38.7% في عام 2027، و42% في عام 2028، و41.5% في عام 2029).

بصيغة أبسط، مقابل كل 100 دولار يولّدها لبنان كإيرادات في الحساب الجاري في عام 2026، هناك مدفوعات خارجية تقارب 139 دولاراً. والفرق، أي نحو 39 دولاراً، يجب أن يُموَّل من مكان آخر. لذلك، تكمن المشكلة في البنية الاقتصادية اللبنانية التي ما زالت تحتاج باستمرار إلى مصدر تمويل خارجي لتغطية الفرق بين ما يدخل إليها وما يخرج منها.

قدّرت «ستاندرد أند بورز» أن عجز الحساب الجاري بلغ ما يعادل 25.7% من الناتج المحلي في عام 2025


وهذا يظهر أيضاً في مؤشر أكثر حدّة لدى الوكالة، هو إجمالي حاجات التمويل الخارجي قياساً إلى إيرادات الحساب الجاري والاحتياطات القابلة للاستخدام. فقد بلغت هذه النسبة 298.1% في عام 2025، وتتوقع «ستاندرد أند بورز» أن تبقى عند 276.2% في عام 2026 و274% في عام 2027، قبل أن تنخفض بشكل محدود إلى 263.7% في عام 2029. وهذه النسبة ليست من الناتج المحلي، بل تعني أن حاجات التمويل الخارجي الإجمالية توازي أكثر من ضعفي ونصف ضعف مجموع الإيرادات الخارجية والاحتياطات التي تعتبرها الوكالة قابلة للاستخدام. وتحتسب الوكالة ضمن هذه الحاجات مدفوعات الحساب الجاري والديون الخارجية القصيرة الأجل والاستحقاقات الخارجية الأخرى.

مصدر الجزء الأكبر من هذا الاختلال يبقى واضحاً في الميزان التجاري. فقد بلغ عجز تجارة السلع، وفق أرقام «ستاندرد أند بورز»، ما يعادل 44.4% من الناتج في عام 2025. وحتى مع الانخفاض المتوقّع إلى 35.9% في عام 2026، يبقى المستوى مرتفعاً جداً، ثم يتراجع تدريجياً إلى 32.5% في عام 2027 و31.4% في عام 2028 و30.1% في عام 2029. بمعنى آخر، بعد عقد كامل تقريباً من بدء الأزمة، لا تزال الوكالة تتوقع أن تبلغ الفجوة بين صادرات لبنان ووارداته من السلع نحو ثلث الناتج المحلي.

حتى سعر الصرف لا يعكس بالضرورة تصحيحاً لهذه المشكلة. فالوكالة تشير إلى أن نموّ سعر الصرف الفعلي الحقيقي بلغ 8.4% في عام 2025، بعدما سجّل تراجعات كبيرة في عامي 2023 و2024 بالتزامن مع إعادة تسعير الليرة. وسعر الصرف الاسمي، في المقابل، بقي قريباً من 89,500 ليرة للدولار منذ شباط 2024. لذا فإن ارتفاع سعر الصرف الحقيقي رغم ثبات سعر الصرف الاسمي، وبالتوازي مع ارتفاع الأسعار المحلية، يعيد تدريجياً رفع كلفة السلع والخدمات اللبنانية مقارنة بالخارج. أي يعيد إنتاج جزء من مشكلة القدرة التنافسية التي كانت قائمة قبل الأزمة.

كل ذلك يأتي فيما لا ترى الوكالة تعافياً قريباً في حجم الاقتصاد نفسه. بل تتوقع أن ينكمش الناتج الحقيقي بين 8% و9% في عام 2026، على أن يؤدّي نشاط إعادة الإعمار إلى نموّ يراوح بين 2% و3% سنوياً خلال 2027-2029، بشرط انتهاء الحرب الواسعة النطاق. وهذا يعني أن لبنان لا يدخل مرحلة التصحيح الخارجي من بوابة زيادة الإنتاج والصادرات، بل يدخلها بعد انكماش إضافي في الاقتصاد، فيما يبقى العجز الخارجي مرتفعاً.

بهذا المعنى، لم تغيّر الأزمة جوهر النموذج بقدر ما جرّدته من مصادر قوته السابقة. بقي لبنان اقتصاداً يعتمد على الاستهلاك والاستيراد والتدفّقات الآتية من الخارج، لكن بحجم إنتاج أصغر، دولة أضعف، قطاع مصرفي مُعطّل، ودين خارجي مُتعثِّر.