الاحداث- كتب سركيس نعوم في صحيفة النهار:"مع إنتهاء الولاية لقوة الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان نهاية العام الجاري لا تزال إسرائيل و"حزب الله" منخرطين في القتال، ولا تزال الميليشيا تهدّد الحكومة اللبنانية، وفي وقت تجري فيه مفاوضات ديبلوماسية غير مسبوقة بين القدس وبيروت. لم يخلق تحديد موعد الإنسحاب النهائي لقوة "اليونيفيل" الخوف من الفراغ الأمني الذي يخشاه البعض، إذ ظلّت فعالية القوة موضع شك على مدى عقود، فيما باتت آلية متعددة الأطراف محدودة النطاق أكثر كفاءةً وقائمة بالفعل. مع ذلك توفر الظروف الحالية فرصة مهمة لتنسيق الجهود الدولية في شأن التحدي الأمني الأكبر الذي يواجه البلاد والعقبة الرئيسية أمام السلام بين لبنان وإسرائيل، وهو أسلحة "حزب الله".
متى تنتهي مهمة "اليونيفيل"؟ يقول باحث أميركي مهم، في آب الماضي، أقر مجلس الأمن الدولي القرار 2790 الذي يمدّد ولاية "اليونيفيل" للمرة الأخيرة. وبمجرّد إنقضاء تاريخ الولاية في كانون الأول المقبل يتعيّن على القوة تقليص عددها والمغادرة في غضون عام. في الوقت نفسه منح القرار الأمين العام للأمم المتحدة مهلةً حتى أول حزيران المقبل لإستكشاف مختلف الإحتمالات لتنفيذ القرار 1701 (2006) بعد انسحاب القوة، بما في ذلك تقديم الأمم المتحدة الدعم في الشؤون الأمنية، ومراقبة "الخط الأزرق" على طول الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، ونشر القوات المسلحة اللبنانية جنوب نهر الليطاني. وقد بدأ المسؤولون في مقر الأمم المتحدة في رسم خريطة لهذه الخيارات، كما فعلت الدول الأوروبية التي تسعى الى إبقاء وحداتها العسكرية في لبنان بعد رحيل "اليونيفيل".
لكن في آذار الماضي استأنف "حزب الله" هجماته الواسعة النطاق على إسرائيل في بداية الحرب الأميركية على إيران. أدى ذلك الى تطورين رئيسيين من شأنهما التأثير على صنع القرار الدولي في شأن لبنان. ففي وقت سابق من الشهر الجاري أعلن الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته الأمنية حتى نهر الليطاني، وأنشأ منطقةً أمنية تمتد عشرة كيلومترات وراء "الخط الأزرق". وفي 14 نيسان الجاري افتتح وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو محادثات في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل. أدى ذلك الى إتفاق على وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، وقد تم تمديده منذ ذلك الوقت، وأُطلقت جهود مشتركة لتعزيز ظروف السلام. لكن على الأرض يستمر القتال بين "حزب الله" وإسرائيل في التصاعد.
ما هي مهمات "اليونيفيل" التي يجب أن تستمر؟ كلّف القرار 1701 "اليونيفيل" مراقبة وقف إطلاق النار لعام 2006 والتنسيق مع الطرفين، والمساعدة في تلبية الإحتياجات الإنسانية، ومساعدة القوات المسلّحة اللبنانية على الانتشار في الجنوب من أجل إنشاء منطقة خالية من أسلحة الميليشيات. وفي الأشهر التي تلت قرار المسؤولين إنهاء ولاية القوة الدولية أُثيرت مخاوف في شأن حدوث فراغ أمني محتمل عقب رحيلها. ومع ذلك فإن الوجود المفرط لـ"اليونيفيل" لم يُترجم أبداً فعالية على الأرض. لذا فإن إنسحابها لن يؤدي الى خسارة تُذكر، إن حدثت خسارة أصلاً. لقد تم بالفعل استبدال الدور الأهم لـ"اليونيفيل"، وهو تسهيل الإتصال والتنسيق الفعّالين بين الأطراف، من خلال "الآلية (ميكانيزم) التي تقودها الولايات المتحدة"، والتي أُنشئت بموجب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024.
السؤال هو: ما هي أفضل طريقة لتحقيق الهدف الحاسم المتمثل في دعم القوات المسلحة اللبنانية لإقامة إحتكار وطني للأسلحة. وهو أمرٌ لم تساعد فيه "اليونيفيل" بشكل جوهري على الإطلاق رغم قرارات الأمم المتحدة التي ناطت بها هذه المهمة تحديداً.
وبعد انسحاب "اليونيفيل" ستركز الحكومة اللبنانية على مواصلة الحصول على دعم أجنبي يفضّل أن يكون من الأمم المتحدة، للمساعدة في ضمان تمتعها بالموارد والشرعية، وبالتالي تقاسم عبء المسؤولية عن السياسات التي تتردّد بتنفيذها. وبالمثل تهتم الأمم المتحدة بالحفاظ على نفوذها ووجودها في لبنان، شأنها شأن فرنسا وإيطاليا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، من جانبها تفضّل إسرائيل تقليص الوجود العسكري الدولي في لبنان الى أدنى حد ويرجع ذلك الى أن الوحدات الأجنبية تواجه تقييداً لحرية تحرّكها في مواجهة التهديدات الأمنية هناك.
كما تعارض إسرائيل في شكل خاص وجود الأمم المتحدة إذ أظهرت في نظرها عداءً وتحيّزاً منهجياً إتجاهها. وهي تفضّل التنسيق المباشر مع القوات المسلّحة اللبنانية برعاية الولايات المتحدة بدلاً من الإتصال غير المباشر الذي ترعاه الأمم المتحدة أو جهات أخرى. تتفق واشنطن مع هذا النهج، كما يتضح من شروط وقف إطلاق النار عام 2024 التي ساعدت في التوسط في شأنها ودفعها نحو إنهاء مهمة "اليونيفيل". لن يُسهم الوضع الحالي المتوتر للعلاقات الأميركية – الإسرائيلية مع الأمم المتحدة والجهات الأوروبية ذات الصلة في تسهيل التوصل الى إتفاق في شأن إستمرار دورها في لبنان، ناهيك عن توسّعه. في الوقت نفسه يعارض "حزب الله" وجود القوات الأجنبية في لبنان وخصوصاً إذا كانت فعّالة في إداء مهمتها. وعندما لا تكون فعّالة مثل "اليونيفيل" فإنه يستفيد فعلياً من وجودها كدرع بشري ضد أي تحرّك إسرائيلي فاعل وكمصدر لمزايا إقتصادية. والهجوم الأخير الذي شنّه "الحزب" على دورية "يونيفيل" وقتله جنديين منها هو تذكير مأساوي لكيفية إستغلاله هذه الانتشارات على مدى عقود كوسيلة ضغط على سياسات الدول المساهمة والأمم المتحدة. وبينما يحدد الفاعلون الخطوة المقبلة ينبغي عليهم التركيز على حقيقة أن كل واحد منهم باستثناء "الحزب" يشترك في هدف مركزي واحد هو تمكين القوات المسلحة اللبنانية كي تنجح في إرساء سيادة الدولة واحتكار السلاح. ويتفق معظم هؤلاء على ضرورة نزع سلاح "حزب الله". لكنهم يختلفون على جدوى هذه المهمة وطريقة تنفيذها.