Search Icon

إهمال مراسلات ودراسات: من نيترات الامونيوم إلى ترسيم
الحدود | هل يمنع لبنان التفريط بـ1400 ‏كلم2 من مياهه؟

منذ 5 سنوات

من الصحف

إهمال مراسلات ودراسات: من نيترات الامونيوم إلى ترسيم 
	الحدود | هل يمنع لبنان التفريط بـ1400 ‏كلم2 من مياهه؟

الاحداث- كتبت ميسم رزق في صحيفة " الأخبار " تقول : يتعيّن على الدولة اللبنانيّة، قبل حزيران المقبل، أن تبُتّ أمر تعديل المرسوم ‏‏6433 (الصادر عام 2011) لناحية حدود المنطقة البحرية، وتضمينه ‏‏1430 كيلومتراً مربعاً إضافياً جنوبي النقطة 23 القريبة من الحدود ‏البحرية مع فلسطين المحتلة، وإبلاغ الأمم المتحدة بذلك. هذا ما تؤكده ‏مصادر مطّلعة على الملف، ولا سيما أن "التعديل ورقة قوية في التفاوض، ‏وتجاهلها سيخسّر لبنان كثيراً في البحر". وهذا التعديل يمكنه، بحسب ‏المطالبين به، تعويض جزء من الإهمال الذي لحق بملف الترسيم، على ‏مدى 10 سنوات. إهمال للدراسات والتقارير والمراسلات، شبيه بالإهمال ‏الذي شاب ملف نيترات الأمونيوم في مرفأ بيروت. هذا الإهمال أدى إلى ‏قتل أكثر من 200 شخص، وجرح الآلاف وتدمير مرفأ بيروت وجزء من ‏العاصمة، وهناك إهمال أدّى، بحسب منتقديه، إلى التفريط بمنطقة بحرية ‏تساوي 14 في المئة من مساحة لبنان 


‎"‎في غرفة الانتظار". هكذا يبدو ملف ترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة، الذي دخل مُنعطفاً جديداً، إثر ‏‏"انسحاب" العدو الإسرائيلي من جولات التفاوض غير المُباشر، وتعليق الجانب الأميركي وساطته، بعدما طرح لبنان ‏خطاً جديداً للتفاوض (خط 29)، مبنياً على أسس قانونية تؤكّد حقه بمساحة 1430 كيلومتراً مربعاً، تُضاف إلى مساحة ‏الـ 860 كيلومتراً المتنازع عليها (المساحة بين الخط 1 ــــ وهو الخط الإسرائيلي، والخط 23، أي الخط اللبناني ‏المُعلن). إلى حين أن يُعاد تحريك الملف، يحتاج لبنان إلى ما يدعم هذا الطرح، بحيث لا يستطيع العدو نسفه بأي حجة، ‏كما حاول أن يفعل في الجولتين الثالثة والرابعة من المفاوضات (الجلسة الأخيرة التي انعقدت في 11 تشرين الثاني ‏الماضي‎). 


هذا الأمر يقع على عاتق القوى السياسية، غير أن المسؤولية الأكبر تتحمّلها حكومة الرئيس حسان دياب التي لها ‏وحدها صلاحية تدعيم الموقف، وفق ما تقول مصادر رفيعة المستوى، على بيّنة من ملف التفاوض، مُختصِرة ‏الأمر بإصدار مرسوم جديد يعدّل المرسوم 6433 الذي يحدد المنطقة البحرية، وتضمينه 1430 كيلومتراً إضافياً ‏جنوبي النقطة 23، وإبلاغ الأمم المتحدة بذلك عملاً بالمادة 74 من قانون البحار. هذا الاقتراح لا يزال محط ‏خلاف، إذ لا يؤيده رئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما الرئيس دياب يشترط إجماعاً داخلياً عليه لعقد جلسة ‏لمجلس الوزراء‎. 


وسط هذه الوقائع، طُرِحت أسئلة كثيرة حول الدافع من وراء طرح خطّ لبناني جديد، وعمّا إذا كان بالإمكان ‏تحصيله، فيما العدوّ يرفض أساساً التفاوض على الـ 860 كيلومتراً. مَن كان صاحب الفكرة وعلى أي أسس قامت؟ ‏وهل يصحّ وضع سقف حدودي يُعطي لبنان في البحر نصف حقل "كاريش" الذي بدأ العدو التنقيب فيه عن الغاز؟ ‏كيف سيكون موقف لبنان فيما لو اضطر لاحقاً الى القبول بأقل من 2290 كيلومتراً مربعاً على طاولة ‏المفاوضات؟ وهل يُعدّ ذلك تنازلاً عن حقوقه في البحر؟ لماذا لم يُعلَن عن هذا الخط سابقاً خلال التفاوض على ‏اتفاق الإطار؟ لماذا لم يؤخذ بالدراسات التي أعدّها الجيش منذ سنوات، ولا بالتقارير والمراسلات التي وصلت الى ‏وزارة الأشغال والحكومة؟ وما الذي منع لبنان من تعديل المرسوم قبل الذهاب الى مفاوضات الناقورة؟‎ 
‎كل هذه الأسئلة وأكثر، تبدأ إجابتها من معلومات تؤكد أن الجيش اللبناني، وقبل الانطلاق الى المفاوضات، كان يرفض ‏من الأساس التفاوض على المساحة المتنازع عليها حصراً، لأن ذلك سيُعطي لبنان أقل من 860 كيلومتراً مربعاً. ‏وعليه، أصدرت مديرية التوجيه بياناً في 10 تشرين الأول الماضي، أعلنت فيه أن "قائد الجيش أعطى التوجيهات ‏الأساسية لانطلاق عملية التفاوض بهدف ترسيم الحدود البحرية على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة ‏براً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط دون احتساب أي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة، استناداً إلى ‏دراسة أعدّتها قيادة الجيش وفقاً للقوانين الدولية". وهذه العبارة هي ترجمة لخط الـ 29، المسنَد الى دراسة قدّمها الخبير ‏جون براون، من مكتب الهيدروغرافيا البريطاني‎ (UKHO) ‎قبل صدور القانون 163 (قانون تحديد وإعلان المناطق ‏البحرية للجمهورية اللبنانية الصادر عام 2011)، وأوضح فيها أن بإمكان لبنان اعتماد خيارين جنوبي النقطة (23) من ‏خلال إعطاء صخرة "تخيليت" نصف تأثير أو عدم احتسابها كلياً، وهذه الدراسة تُمكّن لبنان من كسب حوالى 1400 ‏كيلومتر مربع إضافي. ولا بد من الإشارة إلى أن ما يسمّيه العدو جزيرة "تخيليت"، ليس سوى نتوء صخريّ‎. 


في الشق التقني، تقول معلومات "الأخبار" إن الطرح اللبناني بشأن الخط 29 لم يُعلَن في الجلسة الأخيرة من ‏المفاوضات. في الأصل كان الأميركيون في جو التحضير لإصدار مرسوم جديد بدأ قبل ستة أشهر من إعلان اتفاق ‏الإطار، إذ كان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يريد عرضه من خارج جدول الأعمال، على جلسة لمجلس ‏الوزراء في 21 تموز 2020، وهو ما لم يحصل لغياب التوافق حوله. وبما أن المرسوم الجديد لم يصدُر، كان الظنّ بأن ‏لبنان ذاهب الى التفاوض وفق المرسوم الرقم 6433 بالخط (23‏‎). 
بحسب المعلومات، طرح الوفد اللبناني المفاوض الخط 29 في جولة التفاوض الثانية. وقد ردّ الوسيط الأميركي خلال ‏الجلسة بالقول: "نعلم بأن لديكم خطاً واحداً (الخط 23) وهو المودع في الأمم المتحدة، كما لدى "إسرائيل" الخط 1، ‏ونحنُ هنا للتفاوض على المساحة الواقعة بينهما (860 كيلومتراً)". في الجولتين الثالثة والرابعة، قدّم الوفد اللبناني ‏خرائط تؤكد أن الخط 29 هو الخط الصحيح، وذلك استناداً إلى دراسة المكتب البريطاني واتفاقية جنيف واتفاقية قانون ‏البحار وأحكام محاكم القانون الدولي، بما يضرب أسس الخطين 1و23. وأكد الوفد اللبناني أنه جاهز للتفاوض انطلاقاً ‏من الطرح الجديد‎. 


في الجولة الأخيرة، قدّم الوفد اللبناني عرضاً لطرحه مجدداً، مشدداً على أن الاتفاقيات المذكورة لا تعطي صخرة ‏‏"تيخيليت" أي تأثير، متوجهاً الى الوسيط الأميركي بالقول: "إذا كان لديكم ما يؤكد احتساب تأثير الجزر فتقدموا به"، ‏لكن حجة الجانب الإسرائيلي ركنت الى الحدود شمالاً مع سوريا وبأن الجزر الموجودة هناك جرى احتسابها "علماً بأن ‏الوضع مختلف تماماً، لأن الجزر اللبنانية الشمالية مستثمرة سياحياً، ومساحتها تفوق مساحة "تيخيليت" بأضعاف، فيما ‏جزيرة أرواد السورية جزيرة مأهولة. اما "تيخيليت"، فليست سوى صخرة تغمرها الأمواج عند هبوب الرياح‎". 


ما طرحه لبنان وأصر عليه، دفع بالعدو الإسرائيلي الى تسريب معلومات عبر إعلامه، (صحيفة "إسرائيل هايوم")، ‏تتحدث عن أن الردّ الإسرائيلي على الطرح اللبناني سيكون بتقديم خط جديد للترسيم (الخط 310)، ما يعني تجاوز كل ‏الخطوط السابقة التي حددها لبنان أو حدّدها العدو الى الداخل اللبناني، وذلك بعدما كان النقاش محصوراً بين خطّي ‏النقطتين 1 و23 (حيث مساحة الـ 860 كيلومتراً مربعاً). والخط الجديد الذي لوّح به العدو يصل إلى ما بعد المنطقة ‏المواجهة لمدينة صيدا شمالاً. وعليه جرى تجميد التفاوض، وتبعه ضغط أميركي على لبنان تولّته السفيرة الأميركية ‏في بيروت دوروثي شيا للعودة الى الخط 23، وهو ما رفضه لبنان‎. 
‎ 
ترسيم الحدود... كنيترات الأمونيوم‎ 
لكن في موازاة الإصرار اللبناني، يتبيّن من خلال الوقائع أن التعامل مع هذا الملف شبيه بالتعامل مع ملف نيترات ‏الأمونيوم التي أدت الى انفجار المرفأ. مراسلات جرى تجاهلها وإهمال إداري، في حال استمراره قد يؤدي الى خسارة ‏لبنان لمساحة كبيرة من حقه في المنطقة الاقتصادية‎. 


هذه الوقائع تكشف بأن الحديث عن تعديل المرسوم بدأ خلال جلسة للجنة الطاقة والمياه في حزيران عام 2011، وكان ‏يرأسها حينذاك النائب السابق محمد قباني. في تلك الجلسة، عرض الوزير طارق المجذوب (كان قاضياً في مجلس شورى ‏الدولة) تقرير المكتب البريطاني الذي يؤكد ضرورة التعديل، لكن كلامه لم يؤخذ به، وصدر المرسوم الرقم 6433 ‏‏(الخط 23‏‎). 


تقرير المكتب البريطاني لم يكُن وحده الذي يؤكد أحقية لبنان بالخط 29. إذ تضاف إليه دراسة أعدّها العقيد الركن ‏البحري مازن بصبوص وأرسل نسخة منها عام 2013 الى وزارة الأشغال لإبداء الرأي، إلا أنها لم تُجِب‎! 


وما بين عامي 2014 و2018، أنشأ الجيش اللبناني مصلحة الهيدوغرافيا في القوات البحرية، وجهّزها بأفضل ‏التقنيات، وأجرى مسحاً لشطّ الناقورة للهدف نفسه. وبعد تقديم التقارير، أرسل وزير الدفاع الياس بو صعب كتاباً إلى ‏الأمانة العامة لمجلس الوزراء (الرقم 5918) في27 كانون الأول 2019، ينقل فيه بأنه "تمّ تشكيل لجنة على صعيد ‏الجيش لمتابعة موضوع الترسيم، وقد رفعت اللجنة محضراً بنتيجة عملها اقترحت بموجبه وضع استراتيجية واضحة ‏واعتماد خريطة طريق موحدة على الصعيد الرسمي حول موضوع الترسيم والاستفادة من المستندات والخبرات ‏المتوافرة لدى الجيش اللبناني، وخاصة أنه تبيّن وجود عدة خيارات في الترسيم تُعطي لبنان مساحات إضافية جنوبي ‏الخط المعلن بموجب المرسوم 6433، نظراً إلى توافر معطيات جديدة لدى مصلحة الهيدوغرافيا في القوات البحرية‎". 


وبعد تأليف حكومة دياب، أعادت وزيرة الدفاع زينة عكر إرسال الكتاب نفسه الى الأمانة العامة للتأكيد عليه. فلماذا ‏جرى تجاهله؟ بحسب مصادر مطلعة، فإن عدم عقد جلسة وزارية لبتّ تعديل المرسوم سببه عدم التوافق حول هذا ‏الأمر‎. 
الآن، وبعد تعليق المفاوضات عاد موضوع تعديل المرسوم الى الواجهة، وفُتِح النقاش به، لكن الرئيس دياب اشترط ‏تأمين التوافق. وقد تولّت الوزيرة عكر ورئيس الوفد اللبناني المفاوض العميد بسام ياسين التشاور مع الرئيس بري ‏الذي أكد أن "موقفه معروف". وموقف برّي أن تعديل المرسوم لن يؤدي إلى تحصيل حقوق لبنان، وسيُظهر ‏الحكومة كما لو أنها تتراجع مستقبلاً عن حق لبناني لأنّ أي تفاوض لن يؤدّي إلى منحنا كامل المنطقة التي سيضمّها ‏التعديل إلى المنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة، كما أنه سيدفع بالعدو إلى زعم "حقه" في مناطق إضافية شمالاً، ما ‏سيحول دون بدء التنقيب عن النفط والغاز فيها‎.‎
‎ 
هذا الانقسام سيعود، بحسب المصادر، بنتائج سلبية على لبنان. لماذا؟‎ 
تؤكد المصادر أن لبنان بحاجة الى ورقة قوية في يده للضغط على الطرف الآخر. فتعديل المرسوم "يعني إلزام ‏لبنان نفسه رسمياً بالخط 29، وإلزام الآخرين به بعد إيداعه في الأمم المتحدة". كما أن التعديل يؤكد وجود موقفٍ ‏لبناني موحد، إذ "حاول الأميركيون في المرحلة السابقة اللعب على الانقسام وإشاعة معلومات تارة تقول بأن ‏اقتراح التعديل هو طرح أميركي حتى ترفضه أطراف محددة، وتارة أخرى بأنه طرح إيراني يهدف الى نسف ‏المفاوضات"! أما الهدف الأهم من هذا التعديل وفق المصادر، فهو "الضغط على الإسرائيليين للعودة الى ‏المفاوضات". فتثبيت الخط 29 بمرسوم يوسّع المنطقة المتنازع عليها، بشكل يمنع عمل الشركات في الحقول ‏الإسرائيلية الواقعة ضمن هذه المنطقة وعند تخومها في المياه الفلسطينية المحتلة، بسبب عدم وجود استقرار فيها. ‏وبالتالي، فإن الشركات لن تسمح بأن تخسر استثماراتها في هذه المنطقة ويمكن أن تتجه للضغط على الحكومة ‏الإسرائيلية للعودة الى الناقورة. فالخط 29 يدخل الى نصف حقل "كاريش" الذي ستبدأ شركة "انرجين" اليونانية ‏عملها فيه في شهر حزيران المقبل. ولهذه الغاية تقوم الشركة حالياً بتصنيع سفينة خاصة بالتنقيب، في سنغافورة، ‏بقيمة نصف مليار دولار‎. 


هذا الأمر يعني أن "على لبنان الذهاب الى تعديل المرسوم قبل حزيران، لأنه في حال بدأت الشركة بالعمل في ‏حقل كاريش قبل التعديل، فقد يصبح عملها وفقاً للقانون الدولي أمراً واقعاً ولا يُمكن الادعاء عليها". أما في حال ‏التعديل "فسيسبّب هذا الأمر قلقاً لدى الشركة بسبب المبالغ الكبيرة التي تستثمرها للعمل في منطقة غير مستقرة، ‏كما لدى الجانب الإسرائيلي الذي سيجِد نفسه مرغماً للعودة الى طاولة المفاوضات‎". 


وفي هذا الإطار، تقول المصادر إن حكومة دياب اليوم تتحمّل رسمياً وإدارياً مسؤولية التعديل، وإن على رئيس ‏الحكومة الدعوة الى جلسة استثنائية لبتّ هذا الموضوع، وإلا فإن الخسارة في البحر لن تقلّ عن الخسائر التي ‏تسبب بها تفجير مرفأ بيروت‎! 
يبقى استفسار إضافي بحاجة إلى إجابة: في حال إصدار المرسوم والعودة الى طاولة المفاوضات للمطالبة بمساحة ‏‏2290 كيلومتراً مربعاً، كيف سيُبرّر لبنان موقفه إذا لم يسترجعها كاملة؟ ألن يظهر بمظهر المتنازل عن حقه؟‎ 


تقول المصادر إن هذه النظرية، أي وضع خط والتراجع عنه، ينسحب على البرّ، لأن الخطوط متفق عليها والحدود ‏معترف فيها. لكن الخطوط في البحر يُعلنها كل طرف من جانبه، وفي النزاعات البحرية. ووفقاً للمادة 74 من ‏قانون البحار، تطالب كل دولة بالحد الأقصى، للوصول الى اتفاق مشترك في ما بعد، ولا يُعدّ ذلِك تنازلاً‎.‎