الاحداث- كتب النائب والوزير السابق بطرس حرب في صحيفة النهار يقول:"إنّه لمن المؤسف أن يتحول كل موقف سياسي إلى مناسبة للجدل العقيم حول الصلاحيات الدستورية العائدة لرئيس الجمهورية ولمجلس النواب وللحكومة، كما هو حاصل في موضوع مرسوم فتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب وجدول الأعمال الذي حدّده المرسوم.
فالبلاد ليست بحاجة إلى موضوع خلافي جديد يضاف إلى قائمة مشكلاته العديدة العالقة التي عطّلت عمل السلطات، ومنعت أيّ مشروع إصلاحي، وسهّلت استمرار مصادرة السيادة الوطنية بالسلاح، وجوّعت الناس وأذلّتهم وحرمتهم بديهيات حاجاتهم الحياتية، من غذاء ودواء واستشفاء وكهرباء واتصالات، وكل ما يسمح لهم بتوفير هذه الحاجات، بعد الانهيار الكبير الذي أصاب العملة الوطنية، وبعد سرقة ودائعهم في أوقح سرقة في تاريخ الشعوب.
فلنتصارح حول حقيقة ما يجري. إنّ الهدف الرئيسي للمطالبين بفتح الدورة الاستثنائية ليست رغبتهم في إقرار مشاريع قوانين مستعجلة، ولا محاسبة حكومة هم أعضاء فيها، بل إيجاد بديل من الصفقة المخجلة التي عملوا سرّاً عليها ولم يتفقوا على كل تفاصيلها، ولله الحمد، والتي كانت ستطيح نهائياً مفهوم الدولة والدستور والسلطة القضائية والإدارة العامة وستؤمّن الحماية للنواب الوزراء السابقين، الذين ادّعى عليهم المحقق العدلي، في مقابل إقالة كل من لم يخضع لإملاءات الطاقم الحاكم من قضاة ومسؤولين، وتعيين محاسيب بدلاً منهم.
وإنّ إصدار مرسوم فتح الدورة الاستثنائية لم يحصل لاقتناع رئيس الجمهورية بجدواها أو الحاجة إليها، بل لتفادي صفعة كانت ستوجِّهها اليه الأكثرية النيابية بإجباره على فتح الدورة بموجب عريضة نيابية توقّعها الأكثرية النيابية، وانّ الجدل حول تجاوز رئيس الجمهورية لصلاحياته بتحديد جدول أعمال الدورة، وحول أنّ مجلس النواب نفسه، ليس إلاّ من عدّة الشغل في المواجهة الحاصلة بين رئيس الجمهورية وصهره الحاكم من جهة، ورئيس مجلس النواب وكتلته النيابية من جهة أخرى، وهو من نوع خلق مشكلة غير موجودة أصلاً حول المفهوم الدستوري للدورة الاستثنائية، وسعي كل من الطرفين لتسجيل هدف في مرمى الآخر.
فالمادة /33/ من الدستور واضحة، وهي تعطي لرئيس الجمهورية الحق بدعوة مجلس النواب إلى عقود إستثنائية، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، "بمرسوم يحدّد افتتاحها واختتامها وبرنامجها"، ومقولة "المجلس سيّد نفسه" وانّه لا يمكن تقييده بمرسوم فتح الدورة، لم تعد صحيحة بالمطلق، لأنّ حرية المجلس ليست مطلقة، وإلّا لما كان من حاجة لصدور مرسوم لفتح الدورة الاستثنائية، ولكان المجلس هو من يعود له تقرير متى ينعقد خارج الدورات العادية ويقرِّر جدول أعماله خلالها، ولا سيما بعد تطور الأنظمة الدستورية التي حدّت من شمولية هذا المبدأ، كإنشاء المجلس الدستوري، الذي يمكنه إبطال كل قانون يصدره المجلس خلافاً لأحكام الدستور. فنحن في عصر دستوري مختلف عما كان سائداً سابقاً وفي زمن كان يصح فيه القول بأن "لمجلس العموم في بريطانيا الحق في إصدار أي قانون يشاء، ما عدا تغيير جنس الرجل إلى إمرأة أو العكس"، علماً أن التطور الطبي سمح حتى بتغيير الجنس منذ مدة طويلة.
إنها قلوب مليانة، ومحاولة لإثبات الوجود والدور والنفوذ، وكل تمويه لما يجري، بأنه صراع على الصلاحيات الدستورية ،لا يمكن أن يخفي حقيقة فشل القيّمين على النظام في تسييره وفقاً لأحكام الدستور، وانحرافهم لتأمين مصالح أفراده وجشعهم وهواهم وأسلوبهم، ما يذكِّرنا بانصراف أهل القسطنطينية الى البحث في جنس الملائكة في الوقت الذي كان العدو يدكّ أسوارهم ويحتل عاصمتهم.
فرئيس الجمهورية لم يمارس صلاحياته كرئيس لكل سلطات الدولة ومؤسساتها، وكجامع للبنان يين حول لبنان ودستوره، بل بقي يتصرف، بعد انتخابه، كما كان يتصرف قبله. بقي رئيساً لفريق ضد آخر، يحمل مطالبه ومطامعه وطموحاته في وجه الأفرقاء الآخرين، معتبراً أنه رئيس قوي بسبب عدد النواب الذين يدينون له بالولاء، متناسياً أنّ قوته تكمن في أن يكون فوق الصراعات الحزبية والطائفية والمذهبية والمصالح العائلية والعاطفية، وفي أن يكون موجِّهاً وراعياً وضابطاً للحياة السياسية وحارساً للدستور ومحترماً لأحكامه، كأن يجري انتخابات فرعية عند شغور مقعد نيابي، لا أن يعطّلها خوفاً من أن تكشف ضعف فريقه السياسي ورفض الرأي العام لسياسته.
ورئيس الجمهورية لم يقبل بحكومة لا يملك لوحده، نعم لوحده، قدرة التحكّم بقراراتها عبر "المَونة" على ثلثها المعطّل، لكي يمنع صدور أي قرار من دون موافقته، وهو ما كان يمارسه قبل انتخابه رئيساً مؤتمناً على الجمهورية والنظام والدستور، ما أوقع البلاد مثلاً في فراغات طويلة لسنوات لتوزير صهره عندما كان يعلن "كرمى لعيون جبران باسيل لا حكومة في لبنان"، وهو استمر في ممارسته بعد الرئاسة، ما أوقع البلاد في عهده في فراغات لسنوات، فأفشلته.
ورئيس الجمهورية اعتدى على صلاحيات سلفه الرئيس ميشال سليمان في تشكيل الحكومة وتسمية الوزراء، كما ينص عليه الدستور، قبل انتخابه، وكان يقيّده بفرض صهره والوزارات التي يريد عليه، ويعلن، من مسكنه في الرابية، أسماء وزرائه والوزارات قبل أن يعلنها الرئيس بمرسوم وفقاً للأصول.
ورئيس الجمهورية تحالف مع السلاح الذي يخضع لإمرة وقيادة الولي الفقيه الإيراني، للوصول إلى الرئاسة، في مقابل شرعنة السلاح الذي لا يزال محتفظاً به، خلافاً لوثيقة الوفاق الوطني، ووقف الحوار حول السلاح غير الشرعي والإستراتيجية الدفاعية التي تهدف إلى وضعه بإمرة الجيش اللبناني، والسكوت على استعداء الأشقاء العرب خدمة لمصالح الفرس والثورة الإسلامية الإيرانية، مع ما ينتج عن ذلك من انعكاسات خطيرة على لبنان واللبنانيين. كما شارك في تعطيل أحكام الدستور بتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما وضع أفرقاء سياسيين أمام الخيار بين الفراغ أو القبول به رئيساً للجمهورية، ودفع بعضهم، ممن أسفوا لاحقاً، إلى عقد صفقة معه لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ويضمن مشاركتهم السلطة في عهده، ما أدّى إلى "انتخابه رئيساً لا جمهورية له بعدما أخذوها منه"، كما قال أحد حكماء السياسة في لبنان.
فالرئيس القوي، ليس من يملك القوة الجسدية أو العسكرية أو النيابية ليصارع الآخرين، بل من يملك الحكمة والوطنية والتجرد والأخلاق واحترام الآخرين له وثقتهم به والرؤية المستقبلية، ويحرص على احترام قسَمه وعلى الذود عن سيادة دولته ونظامه.
أما الحكومة، فنتساءل أين هي وما هي مهمتها، وأين خططها الإنقاذية، وكيف ستعالج مشاكل البلاد، وهي عاجزة عن الاجتماع لخلاف أعضائها حول استقلالية القضاء ومبدأ عدم المسّ أو نقل القضاة principe de l’inamovibilité، عندما تستدعي ذلك مصلحتهم السياسية، أما رئيسها، الذي شكرتُ لأنه رفض الانضمام إلى تلك الصفقة السياسية الفضيحة، فيبدو عاجزاً أو غير مصمم على دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد في ظل مقاطعة الثنائي الشيعي لجلساته قبل "قبع" المحقق العدلي الذي تجرأ على الإدِّعاء على نواب كانوا وزراء في انفجار المرفأ، خوفاً من اتّهامه بضرب صيغة العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين ورغم مشاركة بقية أعضاء الحكومة المسلمين في الجلسات.
في الخلاصة،
الدورة الإستثنائية، والجدل القائم حولها، إفراز طبيعي للحال التي بلغتها البلاد، فرئيس الجمهورية تمادى في مرسوم الدعوة، ما أزال عنها صفة الاستثنائية كدورة، لشمولها مواضيع مفتوحة على كل الميادين، ورئيس المجلس متمسّك بالمرسوم ومستعجل صدوره، تعزيزاً لموقفه الرافض لمحاكمة الوزراء أمام القضاء العدلي، وهذا ما نخالفه الرأي فيه لأنه يمنح الوزراء حصانات شاملة لكل أفعالهم لا ينص عليها الدستور، والحكام في وادٍ والشعب في آخر ملؤه البؤس والحرمان والجوع والإحباط. ويتساءلون لماذا يثور الشعب ويكفر بالطبقة السياسية التي تحكم البلاد، ويطالب بالإطاحة بها، ولماذا يصلّي لحلول أجَل هذا العهد المشؤوم الذي لم يشهد مثله في تاريخه، لعلّ في الانتهاء منه تزول اللعنة التي حلّت بلبنان منذ بدئه.