الاحداث- كتبت صحيفة "الأنباء" الالكترونية: لم تعد النوايا الإسرائيلية في جنوب لبنان تحتاج إلى الكثير من التأويل. فما بين خريطة مشوّهة تُظهر أجزاء من الأراضي اللبنانية وكأنها داخل إسرائيل، وعمليات هدم وتجريف ممنهجة، وتصريحات علنية تؤكد البقاء في ما تسميه تل أبيب "المنطقة الأمنية"، تتراكم المؤشرات إلى مشروع يتجاوز الاعتبارات العسكرية الآنية، ويمسّ مباشرةً بسيادة لبنان ووحدة أراضيه وحق أبنائه في العودة إلى قراهم.
وفي أحدث المواقف، أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، من منزل يطل على قلعة الشقيف، أنه أوعز إلى الجيش بالاستعداد للبقاء في المنطقة، قائلاً إن إسرائيل "لن تنسحب" من المنطقة الأمنية، من قلعة الشقيف وغيرها، وإن الجيش سيواصل السيطرة على منطقة تمتد من البحر غرباً حتى مشارف جبل الشيخ شرقاً. موقفٌ يأتي ليكرّس المخاوف اللبنانية من أن الاحتلال لم يعد إجراءً موقتاً، بل بات جزءاً من رؤية إسرائيلية تحاول فرض وقائع جديدة بالقوة.
وبحسب مصادر "الأنباء الإلكترونية"، وصلت إلى الدولة اللبنانية إشارات واضحة تفيد بأن المسار التفاوضي بات متعثراً، وأنه تراجع على سلم أولويات كل من تل أبيب وواشنطن، فيما عكس كلام كاتس جانباً من هذا التحول. إلا أن الدولة اللبنانية تواصل اتصالاتها الخارجية في محاولة لإعادة إسرائيل إلى طاولة المفاوضات، في وقت تواصل فيه الأخيرة استباحة الأرض اللبنانية وهدم القرى وتوسيع نطاق سيطرتها.
وهنا تعود إلى الواجهة التحذيرات التي أطلقها الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط من الدخول في أي مسار تفاوضي من موقع ضعف، ولا سيما بعد التخلي عن أدوات قانونية وسياسية دولية كان يمكن للبنان أن يتمسك بها، وفي مقدمها اتفاقية الهدنة، إلى جانب القرارات الدولية التي تفرض على إسرائيل الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وتكشف الأرقام حجم ما يجري على الأرض. فبحسب تحقيق لـ"فايننشال تايمز" بالتعاون مع "لايتهاوس ريبورتس"، باتت إسرائيل تسيطر على منطقة تعادل نحو 6 في المئة من مساحة لبنان، تمتد قرابة عشرة كيلومترات إلى الداخل، فيما تقع 62 قرية ومزرعة داخل ما تسميه إسرائيل "الخط الأصفر"، ويُمنع نحو 270 ألف شخص من العودة إليها.
أما حجم الدمار، فيتجاوز المعارك المباشرة. إذ يقدّر المجلس الوطني للبحوث العلمية أن نحو 85 ألف وحدة سكنية تضررت أو دمرت في الجنوب، فيما أعلن كاتس نفسه أن إسرائيل دمّرت 24 قرية لبنانية بالكامل، متحدثاً عن هدم ما يصل إلى 20 ألف منزل. كما طاول الدمار أكثر من 20 في المئة من الأراضي الزراعية والغابات، إضافة إلى نحو 2500 كيلومتر من شبكات وتجهيزات المياه، فضلاً عن الجسور والمدارس والمنشآت الصحية.
هذا الواقع يعيد التأكيد أن مواجهة الأطماع الإسرائيلية لا يمكن أن تتم إلا بموقف وطني موحّد، وأن المعالجة تبدأ أولاً بإنهاء الاحتلال والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية. فالاحتلال لا يهدد السيادة فحسب، بل يعيق أيضاً عمل الجيش اللبناني ويوفّر الذريعة لاستمرار السلاح غير الشرعي خارج إطار الدولة.
وفي موازاة ذلك، جاءت رسالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل من جرد بريتال لتؤكد ثبات المؤسسة العسكرية في موقعها الوطني. فخلال حضوره مناورة بالذخيرة الحية لفوج الحدود البرية الرابع ووحدات أخرى، شدد هيكل على أن الجيش «لن يتخلى عن مهماته الأساسية في الدفاع عن كل شبر من أرضنا»، مؤكداً أن المؤسسة العسكرية تعمل على تطوير قدراتها وتأمين الدعم اللازم لها، ومضيفاً: "مَن لا يشبه جيشه لا يشبه وطنه".
تيمور جنبلاط: العفو لا يُسقط الحقوق… بل يؤسس لعدالة مستدامة
وفي الداخل، شكّل إقرار قانون العفو العام محطة سياسية وإنسانية طال انتظارها، بعد سنوات من النقاشات والجهود النيابية. إلا أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب تيمور جنبلاط أعطى لهذا الاستحقاق بُعداً يتجاوز الإفراج عن الموقوفين أو تخفيض العقوبات، واضعاً إياه في إطار أوسع يتعلق بمفهوم العدالة نفسها.
وأشار جنبلاط إلى أن إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو العام شكّلا فرصة قال من خلالها المجلس النيابي إن «العدالة لا تعني الانتقام والقتل»، وإن العفو يجب أن يؤسس لمرحلة جديدة من دون أن يعني ذلك إسقاط حقوق الناس. وأضاف: "المهم الآن أن نصون استقلال القضاء، وأن نعمل لتأهيل سجون تليق بالإنسان، وأن نكرّس نظام عدالة مستدام. هكذا نبني دولة حقوق الإنسان".
وكان لعضو "اللقاء الديمقراطي" النائب بلال عبدالله دور بارز في المسار الذي سبق إقرار القانون، ولا سيما من خلال العمل على توحيد المقترحات وصياغة مساحة توافق حول الملف. وبعد الإقرار، قال عبدالله: "بوركت كل الجهود التي ساعدت على إقرار قانون العفو العام بأبعاده الوطنية والإنسانية"، شاكراً الرئيس نبيه بري على رعايته التوافق بالتنسيق مع الرئيس نواف سلام، ومنوهاً بدور نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، وموجهاً شكراً خاصاً إلى "القوات اللبنانية" على دعمها للقاء النواب السنة في مختلف مراحل الملف.
وأقرّ مجلس النواب اقتراح القانون الرامي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية بعد إدخال تعديلات عليه، كما أقرّ مشروع القانون الوارد بالمرسوم رقم 6503 المتعلق بتعديل بعض مواد القانون رقم 36 تاريخ 14 آب 2025 الخاص بإصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، وفق الصيغة التي عدلتها لجنة المال والموازنة، مع الأخذ ببعض التعديلات التي اقترحها وزير المالية.
وفي تعليقها على العفو، اعتبرت جمعية "نضال لأجل الإنسان" أن القانون جاء استثنائياً بفعل الواقع القائم في السجون وما رافقه من ممارسات طاولت حقوق الموقوفين، سواء في أسلوب الملاحقات أو في طول أمدها. ورأت أن تطبيق العدالة والقوانين بصورة سليمة كان يمكن أن يغني عن العفو، إلا أن الظروف القائمة جعلته ضرورة "لإنقاذ ما يمكن إنقاذه" من انتهاكات حقوق الإنسان.