الاحداث- كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول:"أخيرا، وبعد نحو 12 عاما تتألف حكومة في تل ابيب لا يتربع على قمتها بنيامين نتنياهو. فبعد مخاض سياسي عسير، وبعد 4 جولات انتخابية في اقل من 3 اعوام، يتخلى هذا الرجل عن احلامه بان يغدو في مصاف الرجال التاريخيين في اسرائيل، ويستسلم للامر الواقع ويرحل قسراً وعنوة عن السلطة، تاركاً المقاليد بيد حفنة من السياسيين غير المجربين.
واذا كانت أبعاد هذا الحدث الدراماتيكي المدوّي ودلالاته الوثيقة الصلة باحتمالات الصراع العربي - الاسرائيلي ومسلسل الحروب المفتوحة مع غزة ميداناً واسعاً للتكهن والاستنتاج، فان السؤال الاوّلي والاكثر الحاحا هو: ماذا عن ارتدادات هذا التغيير الذي يراه البعض "انقلابيا" على مستقبل الصراع الخفيّ والمتوالي فصولا وأشكالا على #الحدود مع #لبنان؟
ليس خافيا ان "#حزب الله" تسللت الى عقله التحليلي في الاسابيع القليلة الماضية مخاوف عالية الجدية من ان يجنح رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق الخارج للتو من دست الحكم في تل ابيب نحو مغامرة عسكرية إما في اتجاه ايران وإما في اتجاه الجنوب اللبناني باباً من ابواب تصدير ازمته ومدخلاً للبحث عن مخارج تؤمّن له الهرب من الاخفاق في تطويع الامور.
وعليه دارت في الخفاء "استعراضات عسكرية متبادلة" وظهرت الى الاضواء اشتباكات اعلامية بين الطرفين (تل ابيب و"حزب الله") أفصحت عن نفسها بتحذيرات وانذارات وتهديدات متبادلة من مغبة جرّ المنطقة برمتها الى صفيح ساخن واحتمالات متفجرة، خصوصا بعدما باتت هزيمة نتنياهو احتمالا وشيكا، وبعدما بعثت واشنطن اليه بأكثر من رسالة فحواها ان وجوده على رأس هرم القيادة في تل ابيب عبء على ما ترسمه في المنطقة من توجهات.
وكان التجلي الابرز لجولة التهديدات والتحذيرات الجديدة هذه بين كلا الطرفين على لسان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله عندما قال في اطلالته الاعلامية الاخيرة: "نحن امام عدو حاقد احمق ومأزوم وقد يهرب الى الامام من مأزقه الداخلي"، مردفاً كلامه هذا باطلاق فيض من التحذيرات.
ولاحقاً، وللمرة الاولى، يخرج فجأة الى الضوء قيادي في الحزب هو الشيخ حسن بغدادي في مهمة استكمال عملي لـ"تحذيرات" سيد الحزب ولكن بلغة اكثر حزما وشراسة اذ قال: "ان الحزب يسمع عنتريات قادة هذا العدو. وعليهم ألّا يخطئوا الحساب مرة اخرى. فاذا ما وقعت الحرب مع حزب الله فسوف يرون لهيب جهنم ما لم يتوقعوه حتى في منامهم". واضاف: "قادة العدو لا يستخلصون العبر ولا يفهمون السياسة الواقعية. فالطبيعة العدوانية والاجرامية الراكبة رؤوسهم تدعوهم دوما الى المغامرة".
ولم تكن تحذيرات الحزب المتسمة بالشراسة آتية من فراغ، اذ حفل الفضاء الاعلامي الاسرائيلي قبل ايام بعدد من وقائع التهديد والاستعداد للمنازلة واطلاق قفاز التحدي. فقد نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت" المعروفة بصلتها الوثقى بالقيادة العسكرية والاستخباراتية الاسرائيلية مقالا عبارة عن سيناريو متكامل لحرب تدميرية على لبنان عنوانه العريض: أقصر معركة مع "حزب الله" ...تدمير لبنان.
وفي نطاق اشاعة "الجو الحربجي" اياه كانت المواقع الاسرائيلية التي تعكس عادة العقل الباطني للاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تتحدث عن استحداث فرقة متخصصة في الجيش الاسرائيلي مهمتها الحصرية مواجهة اي تسلل محتمل لعناصر من "حزب الله" الى مواقع القوات الاسرائيلية والمستوطنات الشمالية. وارفقت ذلك بكلام عن اسماء قادتها ونوعية الاسلحة المتطورة التي زُوّدت إياها.
وفي كل الاحوال، وغداة حدث التغيير الحكومي في تل ابيب، سجلت الاوساط المعنية في بيروت تطورين ايجابيين من طبيعة انفراجية:
الاول: المعلومات المؤكدة التي اشيعت عن ان قوة "اليونيفيل" قد صرفت النظر عن القيام بالمهمة التي كُلفت إياها منذ اشهر وهي نصب كاميرات مراقبة متطورة في منطقة الشريط الحدودي بعدما وجدت صعوبة كبرى ومواجهات من اهالي المنطقة وبلدياتها حالت دون ذلك.
الثاني: وصول الموفد الاميركي المولج بمتابعة مفاوضات ترسيم الحدود البحرية والبرية بين البلدين بهدف اعادة بعث الروح في هذه المفاوضات المجمدة منذ فترة بفعل رفض تل ابيب لرؤية المفاوض اللبناني.
ويؤكد الخبير الاستراتيجي بمسار الصراع على الحدود الجنوبية العميد المتقاعد الدكتور امين حطيط عمق دلالات هذا الحدث المستجد في تل ابيب وانعكاساته الموعودة على خط الصراعات القائمة في الاقليم والتي ستتبدى لاحقا. وقال لـ"النهار": "الثابت الاوّلي عجز هذه الحكومة (الاسرائيلية) الوليدة عن اتخاذ القرارات الاستراتيجية الكبرى والاندفاع في المغامرات المجنونة، فهي مركّبة من متناقضات واي جنوح من هذا النوع سيفضي حتما الى تفجيرها".
لذا، يضيف العميد حطيط، "ان هذه الشراكة الحكومية الجديدة ستجعل يدها مغلولة عن اتخاذ قرار بمستوى الحرب على ايران او تنفيذ عدوان واسع على لبنان".
ويستطرد: "الامر الثاني الذي "يُسجل" لهذا الخليط الهجين الحكومي في تل ابيب هو انه يفتقد القدرة على مواجهة الارادة الاميركية على غرار ما اتسم به عمل حكومة نتنياهو السالفة، فهي (الحكومة الوليدة للتو) تدين بوجودها الى الاسناد والدعم الاميركيين".
ويضرب حطيط مثالا على "الراحة" الاميركية من وصول الشراكة الجدية الى رأس هرم الحكم في اسرائيل اعلان واشنطن بعد نحو 20 دقيقة من حدث التغيير عن موعد وصول الموفد الاميركي لمواكبة المفاوضات اللبنانية -الاسرائيلية غير المباشرة ل#ترسيم الحدود البرية والبحرية الى بيروت.
ورداً على سؤال اجاب: "لا يمكن الاستنتاج المسبق ان الحكومة الاسرائيلية الجديدة ستكون اقل عدوانية من سالفتها، فالتوجه العدواني متأصل في العقل الصهيوني لكل الوان الطيف السياسي الاسرائيلي، وما يمكن ان يتغير هو درجة التفاعل والممارسة".
لكنه مع ذلك يؤكد ان "هذا التغيير ليس امرا عاديا بل هو وثيق الصلة بازمة المجتمع الصهيوني من جهة وباخفاق خياراته ورهاناته العدوانية، ولاسيما بعد حروبه الاربع المتتالية على غزة وتهديداته اللامتناهية تجاه لبنان والمقاومة واستتباعا ضد ايران، وكلها لم تكن في حجم المتوقَّع اسرائيليا".
ويعزو حطيط خلفيات "الانقلاب" على نتنياهو الى 3 عوامل:
الاول: الاخفاق الامني، فمنذ اعوام سعت حكومات نتنياهو الى العمل بنظرية "نعمل بأمان تحت النار"، وترجمتها العملانية هي الوعد بحماية تؤمنها القبة الفولاذية التي وعد بأنها ستنهي أي تهديد صاروخي.
الثاني: الاخفاق في منع "نمو" حركات المقاومة سواء في غزة او الجنوب اللبناني. وبديهي ان تل ابيب اضافت الى ذلك هدف اسقاط النظام في سوريا لضمان فضاء آمن مستسلم يصل سوريا بالعراق بالخليج.
الثالث: التحول الذي طرأ على الحسابات الاستراتيجية للادارة الاميركية في المنطقة، لاسيما بعد سقوط "صفقة القرن" التي عملت ادارة ترامب السابقة على اساس انها قاب قوسين من التحقق.