الاحداث - كتب فيكتور الزمتر*
من نافل القول، أنْ يُركِّزَ النبوغُ البشري، أسمى عطايا الله، على تسهيل الحياة وجعلها أكثر أُخوَّةً ورغداً وسلاماً. لكنَّ واقعَ الحال يُظهرُ العكسَ، حيث كلَّما أوغلَ العلمُ بالبحث واجتراح سُبُل التقدُّم والرخاء، كلَّما أمعنت الأنانيةُ بالتسلُّط والإستئثار، وكأنَّ الأرض ضاقت بساكنيها. وما الحديثُ الآخذُ بالتواتر، يوماً بعد يومٍ، عن احتمالات الحرب العالمية الثالثة، إلّا الدليلُ القاطعُ على سيطرة النزوات على الأخلاقيات.
إنَّ انزياحَ الثروة والنفوذ نحو الشرق، بعد يقظة التنين الصيني وصُمود الدبّ الروسي وقفزة النمر الهندي، زادَ الإهتمامَ بقارَّة آسيا. ولعلَّ هذا ما يُفسِّرُ تصاعُدَ الصراعات الدولية، وتوجُّسَ الدول من بعضها البعض، جرّاء خشية القوى المُهيمنة، من بُروز قوى أُخرى صاعدةٍ، ساعية لانتزاع منزلةٍ لها تحت الشمس، بما يليقُ بحجمها وبمُنجزاتها.
لقد أدّى تفكُّك الإتّحاد السوفياتي، إلى نهاية الحرب الباردة، وزوال الثُنائية القُطبية، لتفرغَ الساحةُ لآحادية الزعامة الأميركية. أمّا اليوم، فالأوراقُ والتوازُنات والتحالُفات، قد اختلطت مع بروز تكتُّل "BRICS" الاقتصادي السياسي، ما جعلَ النظامَ الدوليَّ على مُفترق طُرُقٍ، لا يخلو من نُذُر التوتر العالمي، إنْ لم يتعقَّلْ أصحابُ الرؤوس الحامية.
راهناً، تلهجُ وسائلُ الإعلام بعنوانٍ عريضٍ: "أوروبا تتحضَّرُ للحرب". لا يبدو الأمرُ مُستغرباً للمُتابع، نظراً لضُلُوع أوروبا الفعلي، في الحرب الروسية الأوكرانية، بالسلاح والتدريب والإستخبارات.. إلى أن ْيكتملَ العنوانُ، بتحديد العدوِّ ".. ضدَّ روسيا"، الغارقةُ حتّى أُذُنيها في وحول أوكرانيا. فمن زيادة الإنفاق على التسلُّح والتدريب وتجهيز الملاجئ، إلى إعداد السيناريوهات وحفر الخنادق والأنفاق، إلى تحضير الطواقم الطبية والمستشفيات، إلى إسداء النصائح للسكان بالتزوُّد بالأغذية والمياه والأدوية.. إلى حدٍّ دفعَ سويسرا، الدولةُ المُعترفُ دولياً بحيادها، إلى إقرار "استراتيجية الأمن".
غداة نهاية الحرب العالمية الثانية، التي انتهت على زغلٍ مع الحليف السوفياتي، أرست الولاياتُ المتحدةُ، بالتوافُق مع أوروبا الغربية، أُسُسَ نظامٍ عالميٍّ، لتنظيم العلاقات الدولية، وِفق منظور الغرب اللّيبرالي، لجهة حرية التعبير وحريَّة الاقتصاد. وجليٌّ أنَّ هذا التوجُّهَ مُناهضٌ لمنظور المعسكر الشيوعي السوفياتي، ما فاقمَ الزَغَلَ بين حلفاء الأمس، وسعَّرَ "الحربَ الباردةَ"، حيثُ ثابرَ المعسكرُ الغربي، على إضعاف المعسكر الشرقي، إلى أنْ بلغَ منالَه، بتفكُّك الإتحاد السوفياتي، وبزوال "حلف وارسو".
ولم يَرُقْ لحلف الـ"NATO" نهوضُ "الإتحاد الروسي" مُجدَّداً، فسعى، مُستغلّاً آحادية الزعامة الأميركية العالمية، لزيادة أعضائه، بإدخال الجمهوريات السوفياتية المُنسلخة، إلى صفوف الحلف، بما يجعلُه يُخيِّمُ تحت أسوار قصر الكرملين. وهذا يكشفُ، أنَّ تفكيكَ الإتحاد السوفياتي، لا يعني الكثيرَ للغرب، ما لم يكتمل بشرذمة روسيا نفسها، التي تُمثِّلُ 11.5% من مساحة سطح الأرض، مع ما تذخرُ به من ثرواتٍ دفينةٍ موصوفةٍ.
هذا المطمحُ الأميركي، على عظمته، هو جزءٌ من المطمح الأميركي الأعظم، وهو السيطرةُ على " قلب الأرض Heartland"، على ما يقولُ الجغرافي البريطاني Sir Halford John Mackinder (1861- 1947). فوِفقَ Mackinder، يقعُ "قلبُ الأرض" وسط "جزيرة العالم"، التي تضمُّ أوروبا وآسيا وأفريقيا، لكونها الأكبرُ والأغنى والأكثر سكاناً. أما "قلبُ الأرض"، فيتمثَّلُ بالمناطقَ التي حكمتها روسيا القيصرية والسوفياتية والإتحادية الحالية، ويمتدُّ من نهر "الفولغا" الروسي، إلى نهر "Yangtze River"، أطول أنهر الصين، ومن جبال هيمالايا إلى القطب الشمالي.
إنَّ ذِكرَ Mackinder، يستوجبُ التذكيرَ بنظريته، حول "قلب الأرض"، والقائلةُ بأنَّ: "من يحكمُ شرقَ أوروبا يُسيطرُ على قلب الأرض، ومن يُسيطرُ على قلب الأرض، يُسيطرُ على جزيرة العالم، ومن يُسيطرُ على جزيرة العالم، يُسيطر على العالم".
إنَّ حفرَ أوروبا للأنفاق، تحضيراً للحرب، استدراكٌ في محلِّه، ولكنَّ الحفرَ الأوروبي أشبهُ بمن ينصبُ شركاً لنفسه، كي لا نقول أنَّه يحفرُ أنفاقاً لحتفه، على اعتبار أنَّ الحربَ، إنْ وقعت بالفعل، ستقعُ على تُراب أوروبا، أُسوةً بالحربين العالميتين السابقتين، اللَّتان كانتا من صُنع يديها، مع فارقٍ أنَّ الحربَ العالميةَ الثالثةَ، قد تحملُ نُذُرَ محوها عن اليابسة.
لقد كانت العلاقات الأوروبيةُ الروسيةُ، قبل الأزمة الأوكرانية، في طريق التكامُل الاقتصادي، الآيل إلى التكامُل السياسي، من خلال تزويد أوروبا بالمواد الروسية الخام، وفي طليعتها الغاز والنفط، مقابل تصدير أوروبا أهمَّ صناعاتها المُتقدِّمة. فأصحابُ الذاكرة يسترجعون ما أثارَه خطُّ أنابيب الغاز، "Nord Stream One "، عام 2011، بين روسيا وأوروبا، وخطُّ "Nord Stream Two"، عام 2021، بين روسيا وألمانيا، من معارضةٍ أميركيةٍ شرسةٍ، منعاً لمسار التكامُل الإقتصادي "الأوراسي"، بين روسيا وأوروبا، بدليل تفجيرهما، في بحر البلطيق، يوم 26 أيلول 2022.
ما تقدَّمَ أعلاه، يدفعُ إلى التساؤل حول الحكمة، من مُماشاة أوروبا لمُخطَّط وقف التكامُل "الأوراسي"، وهي التي بنت "الإتحاد الأوروبي"، على أساس التكامُل الإقتصادي الأوروبي، عبر "اتفاقية الفحم والصلب (معاهدة باريس 1951)؟ وبعيداً عن المُغالاة بتحليل التبايُن الأوروبي، بين مقاربتَيّ التكاملين، والقول بأنَّ رفضَ التكامُل "الأوراسي"، هو خيارٌ انتحاريٌّ، ثمَّة من يدعو للتمعُّن بخلفية الودّ المفقود، بين أوروبا الغربية وروسيا. إنَّ صعوبةَ التسليم بحصرية الخلاف الجيوسياسي، تُفضي إلى العودة بالذاكرة، إلى 4 أيلول 476، تاريخ انهيار الأمبراطورية الغربية، ليخلفَها ما باتَ يُعرفُ بـ"الغرب اللّاتيني"، تمايُزاً عن الشرق الأرثوذكسي، وريثُ بيزنطية.
ولو اقتصرَ الأمرُ على الصدع بين الكنيستين، الغربية والشرقية، لهانَ الأمرُ، لكن تعدّاه إلى التمايُز في النظرة، إلى الأخلاقيات والسلوكيات.. بحيث ترسَّخ في الوجدان، نهجُ ليبرالية الإنفتاح، لدى الغرب، مقابل مسحة الروحانية والمحافظة، لدى الشرق، مع ما انطوى على نظرة الغرب الدونية، تجاه روسيا تحديداً.
لذلك، على أوروبا، كي لا تبقى "ولّادةَ الحروب العالمية"، استخلاصُ الدروس والعِبَر، من الويلات التي تجرَّعَتها، جرّاء حربَيها العالميتين، علَّها تُمسكُ بقرارها، ولا تتنكَّرُ لانتمائها "الأوراسي". إذ من السذاجة أنْ تضعَ أوروبا مصيرَها، بعُهدة أمواج الأطلسي، ولا تأمنُ لرواسي الألب والأورال والهيمالايا!
من هذا المنظور، أوروبا مدعوَّةٌ للعودة إلى روحانية الشرق، ليس فقط رأباً لشرخ انشقاق الكنيسة الكبير، عام 1054، بل لأنَّ "أوراسيا"، بالنسبة لأوروبا، ليست مُجرَّدَ مصطلحٍ جغرافيٍّ، فهي عمقُها الإستراتيجي، وملاذُ سلامها، وجوهرُ هويَّتِها.
*سفير سابق