متفرقات

العبسي : الصدق هو وسيلتنا الأقوى والأنجع في الشهادة

الاحداث - ترأس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسي خلوة الإكليروس والمكرّسين والمكرّسات في لبنان تحت عنوان "كنيسة شاهدة: تلمذة ورسالة" في  الربوة . 
واعتبر العبسي في كلمة القاها للمناسبة ان لقاء 
 الإكليريكيّين والرهبانَ والراهبات هو حاجة أحسسنا بها جميعًا إلى التقاط الأنفاس ولو لساعات قليلة طارحين عنّا "كلّ اهتمام دنيويّ لنستقبل ملك الكلّ"، لنستنشق الروح القدسَ الإلهيّ وننعم قليلًا بإلهاماته وهمساته كجماعة واحدة ملتئمة تريد أن تصغي إليه وتسمع ما يقوله لها حتّى تكون شاهدة على إنجيل يسوع جاعلةً من كلّ واحد منها تلاميذ للسيّد ورسلًا في هذا العام الثلاثمئة بنوع خاصّ. الإصغاء الفرديّ للروح القدس جيّد وضروريّ وأساسيّ ومتاح لنا في أيّام السنة كلّها. اليوم أردنا أن يكون إصغاؤنا جماعيًّا. الإصغاء الجماعيّ للروح القدس له نكهة أخرى ولون آخر ونغمة أخرى بل مفعول آخر وسعادة أخرى. نحن اليوم نصغي إلى الروح القدس كما كان الرسل يصغون إليه حين حلّ عليهم في اليوم الخمسين. حلّ على كلّ واحد منهم لكنّ إصغاءهم كان جماعيًّا. لا يحلّ الروح القدس على الفرد إلًا بمقدار ما ينتمي إلى الجماعة، إلى الكنيسة، ولأنّه ينتمي إلى جماعة، إلى الكنيسة، كما أنّه لا يبلغ إلى القداسة إلّا من خلال انتمائه إلى الكنيسة المقدّسة. من هنا أهمّيّة هذا اللقاء وأهمّيّة كلّ لقاء يجمعنا للإصغاء إلى الروح القدس. الإصغاء الجماعيّ إلى الروح القدس الساكن فينا هو الذي يجعله من ثمّ يحوّلنا إلى تلاميذ للسيّد المسيح، إلى أخصّاء للسيّد المسيح. الإصغاء الجماعيّ إلى الروح القدس هو أيضًا الذي يعبّر عن وحدتنا بالرغم من تنوّعنا.  لذلك نحن نصلّي في صلواتنا دائمًا "بفم واحد وقلب واحد"، نصلّي "باتّفاق الأصوات".
اضاف : حين كان يسوع مغادرًا، راجعًا إلى الآب، قال للرسل: "سوف تكونون لي شهودًا"؟ من الذي يحوّل التلاميذ إلى شهود؟ إنّه الروح القدس الذي نفخه يسوع فيهم بعد القيامة: "خذوا الروح القدس"، والذي وعدهم به وهو صاعد وعائد إلى أبيه: "ستنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم فتكونون لي شهودًا"، والذي حلّ عليهم في العنصرة فراحوا من ثمّ يعلنون كلمة الله ويشهدون على السيّد المسيح  القائم من بين الأموات. هذا الروح عينه نلناه منذ صغرنا في المعموديّة والميرون وقد جعل منّا شهودًا. لم ننل الروح القدس لتقديسنا فقط ولنيل الحياة الأبديّة فقط بل لنصير شهودًا أيضًا. هذا ما قاله بطرس للشعب بعد العنصرة: "يسوع هذا قد أقامه الله ونحن جميعًا شهود على ذلك". وهذا ما قاله يسوع لتلاميذه في ليلة وداعه: "أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر". كثيرًا ما نتقاعس ونقبع في أماكننا أو في أعمالنا ونقع في التكرار والاجترار وتخبو شعلة الروح فينا. قد أعطانا السيّد المسيح مثلًا في الشهادة هو مثل الزارع. يقول إنّ الزارع خرج ليزرع. لم يرمِ البذار من الشبّاك أو من على السطح أو من عتبة البيت بل خرج. الشهادة في حاجة إلى أن نخرج ونتلوّث ونتعب في مختلف الظروف. الشهادة خلفها محبّة تحثّنا كما قال القدّيس بولس.
للشهادة المسيحيّة خاصّة هي الصدق، أعني أن نقرن عيش الكلمة بالنطق بالكلمة التي نشهد عليها ونبشّر بها. الصدق هو وسيلتنا الأقوى والأنجع في الشهادة ليسوع، في إعلان كلمة الإنجيل. ليس المنطقُ العلميّ ولا المنطق الفلسفيّ يُقنعان بقدر ما يُقنع الصدقُ، أي عيش ما نقول."من يعمل بها ويعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات". نحن مدعوّون بلا شكّ إلى التبشر بيسوع لكنّنا مدعوّون أوّلًا إلى أن نعيش ما علّمنا إيّاه يسوع. التبشير بالكلام والشهادة بالعيش. لذلك التصقت كلمة الشهادة بالموت من أجل المسيح. الذي يموت من أجل شخص أو مبدأ أو قضيّة هو الأكثر جذبًا وإقناعًا. ما الذي جعل الرسل ومن بعدهمِ التلاميذَ يتبعون يسوع إلّا أنّه مات عمّا كان يبشّرهم به ويعلّمهم إيّاه من دون تراجع؟ لذلك لم يخافوا من أن يفعلوا ما فعل هو نفسه: "ليس التلميذ أفضل من معلّمه. إن كانوا اضطهدونكم فاعلموا أنّهم اضطهدوني قبلكم". كم عليّ إذن أن أتنبّه إلى سلوكي حتّى يكون مطابقًا لسلوك الربّ يسوع: "ليكن فيكم من الأفكار والأخلاق ما في المسيح يسوع". 
 وتابع : من هنا يأتي ما نسمّيه الاقتداء بالمسيح. من ميزات التلميذ بل خاصّةُ التلميذ أن يقتدي بمعلّمه. عندما طلب يسوع منّا أن نتبعه قال "من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني"، أي أن يقتدي بي بحمل الصليب كما حملته أنا. لذلك يقول القدّيس بولس لنا: "لا أعرف بينكم إلّا يسوع المسيح وإيّاه مصلوبًا". هذا هو الفرق بين التلميذ والدارس أو التابع أو المناصر أو المتحزّب. نحن لسنا عقائديّين مثل الأحزاب بل تلاميذ. نحن لا نحمل قضيّة ولا نبشّر بقضيّة بل نحمل شخصًا ونبشّر بشخص هو يسوع. نحن لا نؤمن بقضيّة بل نؤمن بيسوع. هذا ما جعل بولس يقول "لست أنا أحيا بل يسوع هو الذي يحيا فيّ".
غدًا تقيم الكنيسة تذكارًا ليوسف الرامي ونيقوديموس وحاملات الطيب، أولئك الذين نستطيع أن ندعوهم أصدقاءَ يسوع الأوفياء، إذ قد كانت صداقتهم ووفاؤهم ليسوع حتّى بعد الموت. من خصائص الشهادة الإنجيليّة أنّها تستمرّ، لا تتوقّف ولا تموت، من ناحية، وأنّها لا تتجزّأ من ناحية أخرى، يعني أن لا تكون شهادةً في شيء وأن تسقط في شيء آخر. الشهادة الإنجيليّة شهادة تامّة في كلّ شيء وفي كلّ ظرف. نحن معرّضون في حياتنا التكرّسيّة لنكوصات، لسقطات، لخيانات، بيد أنّ هذه كلّها لا ينبغي أن تقودنا إلى اليأس والتخلّي والهروب لأنّ اعتمادنا ليس على ذواتنا فقط بل خصوصًا على السيّد المسيح الذي قدّمنا ذواتنا له. من هنا ضرورة الصلاة في حياتنا، الصلاةِ التي تجعلنا على اتّصال مباشر ودائم مع يسوع.
لقاؤنا اليوم هو لكي نعبّر ونعلن معًا في هذه المئويّة الثالثة أنّنا تلاميذ يسوع المسيح وأنّنا ننتمي إليه وأنّنا نلتزم به. لقاؤنا اليوم لكي نَشرع بتهيئة طريقة عمل، ورقة عمل للأيّام القادمة. أمور كثيرة من حياتنا في حاجة إلى إعادة نظر وترتيب وتصويب خصوصًا طريقةَ عيشنا وشهادتَنا وتلمذتنا للربّ يسوع. شاء الله أن يكون هذا اليوم فاتحة لأيّام أخرى تستمرّ، يكون فيها كلُّ يوم دفعةً إلى الأمام لنا ولأبنائنا.
أشكركم على حضوركم ومشاركتكم، السادةَ المطارنة الأجلّاء والأبناءَ الكهنة والرهبان والراهبات. أشكر الذين حضّروا هذا اللقاء. أشكر الذين أشرفوا على سيره. أهلًا وسهلًا بكم. ويومًا مقدّسًا ومثمرًا.