من الصحف

تجاذبات وغموض قبل الوصول إلى الشق المتعلق بالخسائر
قانون «إصلاح وضع المصارف» نسخة 2 نيسان فاجأت الجميع

الاحداث- كتبت باتريسيا جلاد ورماح هاشم :"«إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها» عنوان مشروع القانون الذي أعدّته وزارة المال وطرح على جدول أعمال مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها أمس. ولكن نظراً إلى حجم المشروع الكبير وتباين الاراء، ارتأت الحكومة تأجيل بت المشروع إلى جلسة الثلثاء لاستكمال النقاش فيه، بينما أكد وزير المالية ياسين جابر ان المشروع يدرس احوال المصارف وقدراتها المالية واوضاعها.  

حتى اللحظات الأخيرة قبيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء أمس، كانت المباحثات مستمرة بين اللجنة اللبنانية المشكلة للتفاوض مع «صندوق النقد الدولي» وفريق تقني من الـ «صندوق»، كما أوضحت معلومات لـ «نداء الوطن». فصندوق النقد وضع ضمن الأولويات التي يجب على الحكومة الجديدة إقرارها مشروع قانون إصلاح المصارف وقانون السريّة المصرفية، الذي تمّ إقراره في مجلس الوزراء وينتظر درسه وإقراره في مجلس النواب.

تتألف اللجنة اللبنانية المفاوضة، كما هو معروف، من وزير المالية ياسين جابر، وزير الاقتصاد عامر البساط، مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية فرحات فرحات، مستشارة رئيس مجلس الوزراء لمياء مبيض، حاكم مصرف لبنان، مدير المالية العامة جورج معراوي، رئيسة لجنة الرقابة على المصارف مايا دبّاغ، مستشار وزير المالية للشؤون المصرفية سمير حمود والمستشارة الاقتصادية زينة قاسم. وهي تنسّق مع صندوق النقد في محاولة لتقريب وجهات النظر والتوافق حول كيفية حلحلة بعض النقاط التي تثير علامات استفهام. وبذلك فإنها لا تلتزم حرفياً بمطالب الصندوق بل تدوّر الزوايا للحصول على موافقته وفق ما تقتضيه الأوضاع المحليّة.

وبدا واضحاً حجم الارباك في مقاربة هذا القانون، من خلال تعدّد المشاريع التي جرى تقديمها لمعالجة الملف. وسبق لحكومة الرئيس ميقاتي أن أنجزت مشروع قانون في تشرين الثاني 2023، وذلك بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. لكن هذا المشروع تعرّض لانتقادات مبرّرة، وجرت محاولات لتعديل النقاط التي جرى التحفّظ عليها. 

وفي 27 آذار الماضي، جرى إنجاز مسودة مشروع جديد، تم توزيعه على أطراف معنية لإبداء الملاحظات. واللافت في هذا المشروع أنه قانون لإصلاح القطاع المصرفي، وليس له علاقة بالأزمة المالية القائمة منذ ست سنوات، ولا بتنظيم السحوبات ولا الـ «كابيتال كونترول» ولا إعادة هيكلة المصارف. وإنما إصرار صندوق النقد على إعداده وإقراره بالدرجة الأولى، جاء لافتقاد التشريع المصرفي في لبنان إلى قانون إصلاح مصرفي معروف بـ bank resolution law .

ويكمن إصرار صندوق النقد الدولي على ضرورة إقرار قانون إصلاح المصارف بالدرجة الأولى في سببين: 

- لوضعه في المكتبة المصرفية والتشريع المصرفي. مع الإشارة هنا إلى أن مشروع القانون هذا كان مرتبطاً بالحالات العادية، وبجزء ثان منه بالأزمة المالية والمصرفية. وما جرى أنه تمّ فصل الجزء المتعلّق بالأزمة وأطلقت عليه تسمية مشروع gap law أو قانون ردم الفجوة أو معالجة الفجوة المالية، وهذا الأمر سيتمّ بحثه في مرحلة لاحقة، علماً أن هذا القانون يفوق بأهميته قانون إصلاح المصارف.

- إقرار مشروع قانون الإصلاح، من شأنه أن يشكّل بداية لبناء الثقة بين صندوق النقد ولبنان في ظلّ عدم وجود ثقة بين الفريقين.

شروط صندوق النقد 

النقاش مع صندوق النقد كان طويلاً استناداً إلى مصادر مطّلعة ووصلت اللجنة الموكلة بالتفاوض مع الصندوق إلى اتفاق أو توافق. فالمهم ليس ترجمة النصوص كما هي مطلوبة من صندوق النقد وإنما تكيّف النصوص مع الواقع اللبناني والمناخ والبيئة اللبنانية. فلم يتمّ ترجمة ما يطلبه الصندوق وإنما تمّ تكييف النصوص مع البيئة اللبنانية. واستناداً إلى مصادر «نداء الوطن»، إن اللقاءات للخروج بذلك القانون كان بالتوافق ليس مع صندوق النقد فحسب بل مع كل الأطراف المعنية، لا سيما القطاع المصرفي، والمباحثات كانت طويلة بين صندوق النقد واللجنة.

وأوضح المصدر أن ما تردّد أمس عن أن جمعية المصارف لديها ملاحظات على مشروع القانون، إنما هو غير دقيق لأن المقصود هنا ملاحظات وضعتها المصارف على النسخة السابقة للمشروع، وقد تغيّر رأيها عندما أعلمتها اللجنة بالمسودة الجديدة المطروحة. وأوضح المصدر نفسه أن القانون الذي سيطرح في مجلس الوزراء ليس إعادة هيكلة وإنما إصلاح المصارف.

لكن المفاجأة جاءت في اللحظات الأخيرة، إذ تبين أن مسودة 27 آذار قد جرى استبدالها بمسودة أخرى للمشروع تاريخها في 2 نيسان. هذه النسخة لم تطلع عليها الأطراف المعنية، وفي مقدمها المصارف. وفي حين ذكر مصدر في اللجنة لـ «نداء الوطن»، أن المسودة الجديدة لا تختلف في العناوين الأساسية عن مسودة 27 آذار، غير أن مصدراً قانونياً أكد عكس ذلك، معتبراً أن المسودة الجديدة تحتاج إلى الدرس، وأن طرحها بهذه الطريقة إنما يثير أكثر من التباس وعلامات استفهام. 

في موازاة هذه المعلومات، قال مصدر مالي رفيع لـ «نداء الوطن»، إن المشكلة لا تكمن في القسم الأول من المشروع الذي ستتم مناقشته، وهو بمثابة تنظيم للمصارف في معزل عن الأزمة القائمة، لكن المعضلة ستكون في القسمين الثاني والثالث المتعلقين بمعالجة الأزمة وتوزيع الخسائر على الأطراف المعنية. كذلك، يقول المصدر نفسه، إن هناك إشكالية حول هوية الأعضاء الذين يجب أن تتشكل منهم الهيئة المصرفية العليا المولجة إصدار أحكام في حق المصارف التي يتبين أنها غير قادرة على الاستمرار. 

 

ويوضح المصدر أن صندوق النقد، وبعدما أدرك صعوبة التوصّل إلى اتفاق لبناني على توزيع الخسائر في مهلة قصيرة، وافق على أن تقوم الحكومة بإقرار القسم الأول فقط من قانون الإصلاح المصرفي، وأن يحمله الوفد اللبناني معه إلى جانب قانون السرية المصرفية بعد تعديله، إلى اجتماعات الربيع في واشنطن في النصف الثاني من نيسان الجاري.  

قانون السريّة المصرفية 

وفي ما يتعلق بقانون السريّة المصرفية الذي تمّ إقراره في مجلس الوزراء وينتظر أن يقرّ في مجلس النواب، حصل التباس فيه بمسألة المفعول الرجعي.

 

فرئيس الحكومة أضاف جملة عشر سنوات للمفعول الرجعي بدلاً من إعادتها إلى القانون رقم 306/22 والذي يرد فيه أنه يمكن الرجوع في الحصول على المعلومات إلى العام 1988. هذا الأمر أثار التباساً حول التاريخ الذي يمكن اعتماده في المفعول الرجعي.

إلى ذلك سيتمّ، استناداً إلى مصدر مطّلع، إعادة النظر وعرض مشروع قانون السريّة المصرفية لتوضيح الالتباس بمسألة حق مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف برفع السرية المصرفية، الذي يقتصر على حالة إعادة الهيكلة، في حين أن المطلوب كان رفع السرية المصرفية في حالة الرقابة العادية عند طلبها من الجهات الرقابية. 

فرفع السرية المصرفية فقط في حالة إعادة الهيكلة، يحول دون إمكانية العودة إلى بعض الحسابات من خلال رقابتها العادية للجنة الرقابة على المصارف بحرية كاملة.

مع الإشارة هنا إلى أن قانون السرية المصرفية صدر في 28 تشرين الأول عام 2022 تحت الرقم 306، لكن عملية إقراره خلال الأسبوع الماضي مع ذكر عبارة يمكن العودة 10 سنوات إلى الوراء، بدلاً من عبارة «أن تعود إلى القانون 306»، ومن دون ذكر مقابل مهمّة خطّية تقدّمها لجنة الرقابة على المصارف في مصرف لبنان، أثار التباساً يستوجب التوضيح في مسألة رفع السريّة المصرفية تجاه أكثر من جهة، القضاء، هيئة مكافحة الفساد، الضرائب، هيئة التحقيق الخاصة، مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف.

فهذا الالتباس يضرب الاستقرار التشريعي ويغيّر في القوانين، من هنا العيون شاخصة اليوم بعد إقرار هذا القانون المرتقب بحثه في جلسة يوم الثلثاء المقبلة في مجلس الوزراء، على ما سيقدم عليه المجلس النيابي.

رأي نيابي  

في هذا السياق، يؤكد عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب رازي الحاج أن «القانون تمّ تعديله في المرة الاولى، واليوم يخضع لتعديل ثانٍ. فعلياً نحن مع إلغاء قانون السرية المصرفية بالكامل، إنما مع قانون حفظ البيانات ذات الطابع الشخصي للمواطنين، لأننا لا نريد، بما أن هناك رفعاً للسرية المصرفية، أن يصبح المواطنون عرضة للابتزاز بمعلومات خاصة لديهم، خاصة وأننا نعرف أن المسار العام في لبنان يجنح كثيراً نحو موضوع الشائعات والفضائح والإعلام، ولديه دائماً منحى فضائحي باستخدام البيانات الشخصية للمواطنين. لذلك، هذا هو فقط الهدف. وبالتالي، نحن بالطبع مع أي تعديل يخدم أن تكون كل الحسابات، خاصة تلك التي تخص كل من تعامل مع الدولة، أو عليه شبهة، أو الاشخاص الذين كانوا ضمن النظام المالي النقدي في لبنان، أو أي حساب لديه علامة استفهام، أن تكون لدى الهيئات الرقابية والقضاء القدرة على الاطلاع عليه. لا مشكلة بالفكرة، لكن تبقى خصوصية المواطنين وحماية خصوصيتهم الأولوية بالنسبة لنا، وألا يكون بالطبع عائقاً أمام المحاسبة التي نعتبرها ضرورية وأساسية».

الخبير الاقتصادي وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس أبو دياب يشرح أن «أهم التعديلات المطروحة في قانون رفع السرية المصرفية، هي إمكانية توسيع قاعدة من يحق له الاطلاع على الحسابات المصرفية من خلال لجنة الرقابة على المصارف، الهيئات الضريبية والهيئات الرقابية الاخرى»، موضحاً أنه «كان هناك حرية للاطلاع فقط على بعض الحسابات المدينة، أما اليوم فأصبح هناك حرية الاطلاع على الحسابات المدينة والدائنة».

ويشير إلى أن «في 27 آذار 2025 وافق مجلس الوزراء على التعديلات المقترحة وتمت إحالة القانون إلى المجلس النيابي. الهدف من هذا القرار ملاحقة الحسابات غير الشرعية والأموال المشكوك فيها وتبييض الأموال. بالتالي، هذا القانون بصيغته النهائية يتناسب مع مطالب صندوق النقد الدولي، والغاية على الأرجح تسريع الاتفاق معه، كما أنه يمكنه المساهمة في إزالة لبنان عن اللائحة الرمادية لاحقاً».

 

 

ويعود أبو دياب إلى تاريخ صدور هذا القانون، لافتاً إلى أنه «في الواقع الاقتصادي، هذا القانون صدر في 30 أيلول 1956، وآنذاك كان لديه قدرة جذب الرساميل وكانت هناك طفرة نفطية في الخليج والعالم وتوجه للتأميم في بعض الدول العربية الأخرى، وبالتالي هروب الرساميل من هذه الدول واستقطابها في لبنان مع إخفاء مصدرها الأساسي. لكن، اليوم، في ظل التطورات النقدية والمالية العالمية والتطور التقني الكبير، لقد فقد هذا القانون قيمته وأهميته الأساسية، خصوصاً وأن لبنان نقله عن سويسرا حينها، والأخيرة عدلت في هذا القانون».

ويختم: «على عكس أحد المعتقدات الشائعة، فإن إقرار هذا القانون يسمح لأي كان بالاطلاع على كافة الحسابات، يسمح القانون فقط لجهات محددة مختصة بالرقابة الاطلاع على الحسابات بناءً على طلب قضائي».