
بري: سننتخب على التراب .. المر: لانتخابات نزيهة... واشنطن تضغط وباريس تتوسّط ولبنان متمسك بـ1701
الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": المنطقة تتقلّب على صفيح ساخن من التهديد والوعيد، وخصوصاً على الجبهة الإيرانية في ظل الضخّ اليومي للتهديدات الأميركية باستهدافها بعمل عسكري كبير. وفيما أوحى ارتفاع وتيرة هذه التهديدات والتهديدات المضادة وكأنّ الامور اقتربت من ساعة الصفر لبدء الهجوم على إيران، برز عاملان ينحيان بالوضع في اتجاه آخر؛ الأول، الزيارة التي أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترامب انّه سيقوم بها إلى الشرق الأوسط، ولاسيما إلى دول عدة في الخليج كالسعودية والإمارات العربية المتحدة، وربما قطر، وهي زيارة يجمع كل الخبراء انّها لا تحصل في حالات الحرب. واما العامل الثاني، فتجلّى في أنباء أميركية خففت من وطأة التهديدات بضرب إيران، نقلها موقع «إكسيوس» الاميركي، وتفيد بأنّ ترامب يدرس بجدّية كبيرة الموافقة على اقتراح إيران إجراء مفاوضات غير مباشرة.
وأما على جبهة لبنان، فكلّ عوامل التوتير والتصعيد متجمعة في الأجواء، وتعزز المخاوف من الانزلاق إلى وضع مفتوح على احتمالات ووقائع صعبة ينذر بها توسيع إسرائيل لدائرة استهدافاتها، التي تجلّت في عدوانها الاخير فجر الاثنين الثلاثاء على الضاحية الجنوبية، الذي يعزز المخاوف من إدراج إسرائيل للضاحية ضمن بنك أهدافها العدوانية، التي لم تخف إسرائيل نواياها العدوانية في مواصلة مسلسل الإغتيالات لقادة وكوادر «حزب الله»، واستهداف ما تعتبره تهديداً لها في أي مكان في لبنان.
جهدٌ فرنسي
وفي وقت تستمر فيه إسرائيل في اعتداءاتها في المنطقة الجنوبية، في ظل هشاشة ملحوظة في اتفاق وقف إطلاق النار، ساهم في هشاشته أكثر تعليق عمل لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق ربطاً بطرح تشكيل لجان للمفاوضات حول النقاط الخلافية على الخط الأزرق والأسرى والنقاط الخمس التي أبقت إسرائيل على احتلالها لها، كشفت مصادر رسمية موثوقة لـ«الجمهورية» عن وساطة فرنسية تكثف خلالها جهد واضح وحثيث في الأيام الاخيرة مع الأميركيين والإسرائيليين لتبريد الوضع وخفض التصعيد والحؤول دون انزلاقه إلى مخاطر أكبر.
انتظار اورتاغوس
في هذه الأجواء، تنتظر المستويات الرسمية في لبنان وصول الموفدة الاميركية مورغان اورتاغوس إلى بيروت، وما ستنقله من مقترحات إلى الجانب اللبناني، وخصوصاً انّ زيارتها إلى لبنان استبقتها واشنطن برفع وتيرة الضغط حيال موضوع نزع سلاح «حزب الله»، ليس فقط في منطقة جنوب الليطاني بل في كل لبنان. وكذلك إعلان واشنطن تأييدها وتشجيعها دخول لبنان في مفاوضات مع إسرائيل. وفيما سرت في الأيام الأخيرة ترويجات عن إلغاء زيارة اورتاغوس، علمت «الجمهورية» أنّ مواعيد الموفدة الأميركية مع كبار المسؤولين في لبنان قد بدأ تثبيتها قبل عطلة عيد الفطر.
وعشية زيارة اورتاغوس، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية تامي بروس بأنّ الولايات المتحدة صنّفت اليوم (أمس) شبكة لبنانية للتهرّب من العقوبات، تدعم الفريق المالي لـ«حزب الله»، الذي يُشرف على مشاريع تجارية وشبكات تهريب نفط تُدرّ عائداتٍ للحزب.
ولفتت إلى انّ شبكات التهرّب هذه تُعزز إيران و«حزب الله»، وتُقوّض لبنان. وكجزءٍ من إجراءات اليوم، تُصنّف الولايات المتحدة خمسة أفراد وثلاث شركاتٍ مرتبطة، بمن فيهم أفرادٌ من عائلاتٍ وشركاء مقرّبين لمسؤولين بارزين في «حزب الله». وشدّدت على أنّ هذا الإجراء يدعم سياسة الحكومة الأميركية الشاملة المتمثلة في ممارسة أقصى ضغطٍ على إيران ووكلائها، مثل «حزب الله»، كما هو مُفصّل في المذكرة الرئاسية الثانية للأمن القومي الصادرة في 4 شباط.
وقالت الخارجية الأميركية إنّ الولايات المتحدة تلتزم بدعم لبنان من خلال كشف وتعطيل مخططات تمويل أنشطة «حزب الله» ونفوذ إيران المُزعزع للاستقرار في المنطقة. وشدّدت على انّه لا يُمكن السماح لـ«حزب الله» بإبقاء لبنان أسيرًا. ستواصل الولايات المتحدة استخدام الأدوات المُتاحة لها حتى يتوقف هذا التنظيم الإرهابي عن تهديد الشعب اللبناني. واستطردت المتحدثة باسم الخارجية بأنّه «بالإضافة إلى ذلك، يُقدّم برنامج «مكافآت من أجل العدالة» (RFJ)، الذي يُديره جهاز الأمن الديبلوماسي التابع لوزارة الخارجية، مكافأةً تصل إلى 10 ملايين دولار أميركي مقابل معلومات تُؤدي إلى تعطيل الآليات المالية لحزب الله». وذكرت بأنّه «يُتخذ هذا الإجراء اليوم عملاً بالأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المُعدّلة، الخاص بمكافحة الإرهاب».
ضغوط .. وثبات
وفي هذا الإطار، أبلغ مرجع سياسي إلى «الجمهورية» قوله إنّه لا يعزل زيارة اورتاغوس عمّا سبق تسويقه اخيراً، سواء على لسانها شخصياً او لسان المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف عن نزع سلاح «حزب الله» وتشكيل لجان المفاوضات الثلاث مع إسرائيل حول الخط الأزرق والنقاط الخمس والأسرى. وكلها تشكّل غطاءً لهدف إطلاق مسار التطبيع مع اسرائيل.
ومن ضمن هذا المسار الضاغط، وفق المرجع عينه، تندرج الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، وآخرها على الضاحية الجنوبية، وقال: «هناك محاولات مكشوفة لدفع لبنان إلى الدخول بقوّة النار والضغوط إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يعني مفاوضات بالنار لإرغام لبنان على القبول بما يرفضه، وعلى ما لا طاقة له على تحمّله او القيام به».
ورداً على سؤال عمّا إذا كان لبنان يملك قوة صدّ هذه الضغوط، قال المرجع: «في موازاة كل هذه الضغوط المتزايدة التي تأخذ اشكالاً متعددة، تارةً سياسية وتارةً ثانية عسكرية وعدوانية، وتارةً ثالثة إقفال مصادر تمويل إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الاسرائيلي، وقد وردتنا رسائل مباشرة - من دول شقيقة كانت أبلغتنا برغبتها وجهوزيتها لتوفير مساعدات عاجلة للبنان في هذا الإطار - تعرب فيها عن اعتذارها عن الإيفاء بما التزمت به معنا، نظراً لتعرّضها لضغوط هائلة، ربما من الأميركيين او غيرهم، يعني «ما بدّن يساعدوا وما بدّن يخلوا حدا يساعد». في أي حال فإنّ موقف لبنان ثابت:
اولاً، المفاوضات المباشرة على أيّ مستوى سياسي أو عسكري مع إسرائيل هي أمر مرفوض قطعاً.
ثانياً، التطبيع مرفوض ولا يمكن للبنان أن يسير به تحت أي ظرف.
ثالثاً، انّ لبنان يرفض فكرة تشكيل لجان المفاوضات الثلاث حول النقاط الخمس والنقاط الخلافية على الخط الأزرق والأسرى، باعتبارها لا تنسف فقط اتفاق وقف إطلاق النار الذي نلتزم به رغم خروقات إسرائيل له الذي زادت عن 1500 خرق واعتداء، بل تطيح بالقرار 1701 وكل آلياته التنفيذية.
رابعاً، انّ لبنان ثابت على التزامه الكلي باتفاق وقف إطلاق النار، ومتمسك بالقرار 1701، ويؤكّد على تطبيق كل مندرجاته، وهو ما يوجب الضغط الدولي والاميركي تحديداً على إسرائيل للالتزام باتفاق وقف النار والقرار 1701.
خامساً، حتى ولو غرّدت بعض الأصوات السياسية خارج هذا السرب، فإنّ لبنان في مواجهة الضغوط، يملك بكل مستوياته الرسمية قدرة الثبات على الموقف، كما في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولة توسيع رقعتها على قاعدة الاستفزاز للاستدراج، فلبنان لن ينجرّ إلى هذا الاستدراج، كما انّ «حزب الله» المستهدف بهذه الاعتداءات ماضٍ في التزامه بوقف إطلاق النار ولن ينجرّ إلى ما تريده إسرائيل، ويترك للدولة اللبنانية مسؤولية المعالجة السياسية والديبلوماسية لردع اسرائيل ووقف عدوانها».
تحذير ديبلوماسي
إلى ذلك، حذّر زعيم سياسي وسطي مما وصفه وضعاً متفجراً يلوح في أفق منطقة الشرق الاوسط برمتها، ولبنان ليس خارج دائرة الخطر.
وقال لـ«الجمهورية»: «هم يعتبرون أنّ سلاح «حزب الله» يشكّل الخطر الأساس على لبنان، وضمن هذا السياق لا تبدو إسرائيل متردّدة في توسعة دائرة التصعيد، والهدف ليس سلاح الحزب فقط بل فرض خيارات مرفوضة على لبنان». وأعرب السياسي عينه عن خشيته من خضوع المشهد اللبناني لثلاثة سيناريوهات خطيرة، الأول، تعرّض لبنان إلى مزيد من الضغوط، وخصوصاً حول سلاح «حزب الله» والمطالبة بنزعه، مع ما قد يترافق ذلك من شحن وتوتير داخلي. والثاني، أن تذهب إسرائيل - بموازاة اعتماد واشنطن سياسة الضغوط القصوى مع طهران - في ما تسمّيها «حرّية التحرّك»، إلى تصعيد كبير لفرض معادلات جديدة على جبهة لبنان. واما السيناريو الثالث فهو أن يقرّر «حزب الله» الخروج من زاوية الصبر إلى ساحة المواجهة. وكلها سيناريوهات تضع لبنان برمته على كف عفريت.
متابعة رسمية
كل هذه التطورات بالإضافة إلى أولويات المرحلة المقبلة، كانت محل متابعة على المستويات الرسمية، وتواصل بين الرؤساء الثلاثة جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام. ومن هنا اندرجت أمس، زيارة رئيس الحكومة إلى كل من رئيسي الجمهورية ومجلس النواب.
الراعي في بعبدا
التقى أمس رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حيث جرى بحث عدد من القضايا الوطنية. وقال الراعي بعد اللقاء: هنّأنا الرئيس عون على التعيينات، وأكدنا له محبّتنا وصلواتنا ودعمنا له، كما دعوناه إلى قدّاس الفصح في بكركي، وتطرّقنا إلى الشؤون العامة.
وعن الخروقات الإسرائيلية قال: «الاعتداءات الإسرائيلية تُعدّ خرقًا لوقف إطلاق النار، ولبنان مصرّ على اتباع المسار الدبلوماسي، فيما يجب أن يكون السلاح حصريًا بيد الدولة».
الانتخابات البلدية
وإذا كان ملف المساعدات يحتل صدارة المتابعة، فإنّ التحضيرات جارية لإنجاز الملف اللبناني إلى المفاوضات المنتظرة مع المؤسسات المالية الدولية، ولاسيما اجتماع صندوق النقد في 21 نيسان الجاري في واشنطن، في وقت أُفيد فيه انّ قرض الـ250 مليون دولار من البنك الدولي للمساعدة في إزالة آثار العدوان، تمّ ربطه بتعيين رئيس وهيئة جديدة لمجلس الإنماء والإعمار.
وعلى الخط الداخلي ايضاً، بدأ ملف الانتخابات البلدية والاختيارية في جريانه في اتجاه إتمام هذا الاستحقاق، مع توقيع وزير الداخلية احمد الحجار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة إلى الانتخابات البلدية في جولتها الأولى في جبل لبنان في الرابع من أيار المقبل. وقال وزير الداخلية: «انّ الانتخابات قائمة بلا شك في مواعيدها بمعزل عمّا يُبحث داخل مجلس النواب».
بري: سننتخب على التراب
إلى ذلك، ورداً على سؤال لـ«الجمهورية» حول اقتراحات تأجيل الانتخابات البلدية، قال الرئيس بري: «التأجيل غير وارد على الإطلاق، ولا سبب موجباً له ابداً. نحن مصرّون على إجراء الانتخابات في كل لبنان، وخصوصاً لبلديات المناطق الجنوبية التي دمّرها العدوان الإسرائيلي، فإن أمكن وضع أقلام الاقتراع فيها فليكن، وإذا ما تعذّر ذلك فسنضع أقلام الاقتراع في أماكن اخرى، حتى في بناية في بلدة قريبة، او في شقة او غرفة.. سننتخب حتى ولو كان على التراب».
المر: لضمان النزاهة
إلى ذلك، أكّد النائب ميشال المر «أهمية إجراء الانتخابات البلدية والاختيارية في مواعيدها المحدّدة، وذلك لضمان انتظام العمل البلدي والإنمائي وتقديم أفضل الخدمات للمواطنين في بلداتهم وقراهم».
واعتبر المر في تصريح، أنّ «هذه الانتخابات هي حق مقدّس للمواطنين لاختيار ممثليهم في السلطة المحلية»، مشدّداً على أنّ «هذا الاستحقاق يحمل أهمية كبيرة لا يمكن تجاهلها».
وشدّد على أنّ «إجراء الانتخابات يشكّل خطوة أساسية نحو الحفاظ على استقرار المؤسسات المحلية، ويعدّ حجر الزاوية في عملية التنمية. كما يسهم في تجديد الثقة بين المواطنين ومسؤوليهم المحليين، مما يعزز روح الشراكة والتعاون».
وأكّد أنّ «هذه الانتخابات تتيح فرصة للمشاركة الفعّالة في تطوير مشاريع البنية التحتية والخدمات العامة، وبالتالي تحسين حياة المواطنين في مختلف المدن والبلدات».
وأشار المر إلى أنّ «إجراء الانتخابات في مواعيدها يبعث برسالة قوية للعالم بأنّ لبنان متمسك بديموقراطيته وبحق المواطنين في اختيار ممثليهم بحرّية ونزاهة، ويعكس استقرار النظام السياسي الذي يسعى إلى البناء المستدام والازدهار».
ودعا المر جميع المعنيين إلى «العمل بجدّية على تهيئة الظروف المناسبة لإجراء الانتخابات وضمان نزاهتها وشفافيتها، بما يعود بالنفع على الوطن والمواطنين على حدّ سواء».